الثلاثاء، 7 يناير 2020

الليزر

كيف يعمل التحليل الطيفي المستحث بواسطة الليز 

عندما اخترع العالم ميمان أول نبضة ليزر في العام 1960، فان البعض وصف هذه التقنية على إنها الحل الذي يبحث عن مشكلة. ولكن العلماء بسرعة اكتشفوا إن الليزر ليس مجرد هواية وإنما له الكثير من التطبيقات العملية. الأطباء اليوم يستخدمون أشعة الليزر لإصلاح قرنية العين، وتبيض وإزالة الوشم ويستخدم الليزر أيضا كمشرط دقيق جدا. كما إن الصناعات الالكترونية تستخدم الليزر في الكثير من التطبيقات مثل قارئ الباركود bar-code وأنظمة التخزين الضوئية وفي طابعات الكمبيوتر. كما وتستخدم طاقة الليزر العالية في ثقب أحجار الماس وقطع المواد الخفيفة كالبلاستيك والمواد الثقيلة مثل التيتانيوم.

الليزر مهم بشكل خاص في مجال التحليل الطيفي المستخدم من قبل الكيميائيين والفيزيائيين. إن الخبراء في علم الكيمياء التحليلية طوروا تقنيات تمكن من تحديد المركب الكيميائي للمادة. وبواسطة هذه التقنيات تمكن العلماء من قياس الخصائص الفيزيائية، مثل الكتلة ومعامل الانكسار والتوصيل الحراري. وبعض التقنيات الأخرى تعتمد على الشحنة الكهربية والتيار الكهربي لتساعد في التعرف على المركبات الأساسية للمادة. وهناك المزيد من التقنيات لقياس مقدار الامتصاص absorption والانبعاث emission والتشتت scattering للإشعاع الكهرومغناطيسي وهذه التقنية تعرف بعلم السبكتروسكوبي spectroscopy أي علم الأطياف.

علم الأطياف القائم على استخدام الليزر laser-baser spectroscopy أصبح الآن أداة أساسية في علم التحليل. تخيل نظام ليزر مثبت على عربة فضائية تسير على كوكب المريخ. فعندما تنطلق نبضة ليزر على تربة المريخ فان تشتت ضوء الليزر المتشتت عن غبار تربة المريخ ينعكس ويلتقط بواسطة أجهزة خاصة مثبتة على العربة الفضائية يمكنها من معرفة التركيب الكيميائي للتربة. الآن افترض أيضا جندي يحمل نظام ليزر مكون من جهاز ليزر ومجس يقوم الجندي باستخدامه لتوجيه نبضات الليزر على أي أجسام مشبوهة في الطريق ليتعرف على المواد المتفجرة والألغام المزروعة من خلال انعكاس نبضات الليزر إلى المجس.

هذه بعض الأمثلة لتطبيقات التحليل الطيفي لليزر وقد تبدو لنا إنها مشاهد من احد افلام الخيال العلمي، ولكن هذا ليس هو الحال. فالعلماء اليوم يمتلكون معدات ذات قدرات عالية على تحليل المواد تعتمد على الليزر. وسوف نقوم في هذا المقال من كيف تعمل الأشياء بالتعرف على هذه التقنيات وسوف نركز على احد هذه التقنيات التي تعرف باسم Laser-Induced Breakdown Spectroscopy والذي يختصر بـ LIBS أي التحليل الطيفي المستحث بواسطة الليزر. ومن خلال شرح هذه التقنية سوف نفهم كيف يستخدم الليزر في التحليل في الكثير من التطبيقات في مجال الأمن والتشخيص الطبي وفي الطب الشرعي وفي الرعاية الصحية وفي علم الآثار والفن.

وفي البداية دعنا نقوم بالتعمق أكثر في أساسيات الكيمياء التحليلية لفهم دور الليزر في تقنيات التحليل للتعرف على المركبات الكيميائية المكونة للمادة.

الليزر كأداة تحليلية

لنتوقف عن القراءة الآن ونقوم بجولة للأشياء حولنا فهناك أجسام صلبة مثل جهاز الكمبيوتر والطابعة، وهناك مواد سائلة مثل المياه الغازية في كوب من الزجاج والماء في حوض اسماك الزينة. كذلك المواد الغير مرئية مثل الروائح الموجودة في الهواء يمكن أن نشعر بها بحواسنا المختلفة التي وهبنا الله سبحانه وتعالى. كل هذه الأشياء نسميها المادة matter والتي تتكون من جزئيات ومركبات من الذرات. التحليل الكيميائي يشبه تماما قيامك بتكسير جزيئات المادة للحصول على الذرات الأساسية المكونة لها لمعرفة ما هي هذه الذرات التي تكون مادة ما.
على مر السنين، طورت الكيمياء التحليلية الكثير من التقنيات والأدوات. بعض هذه الأدوات والتقنيات ذات طبيعة كيفية تختص بتحديد نسب تواجد العناصر والمركبات في المادة، والتي يعرفها الكيميائي بـ analytes. وهناك طرق أخرى ذات طبيعة كمية حيث تقوم بقياس مقدار تواجد عنصر أو أكثر في المادة. وفي كلا التقنيتين فان علم التحليل الكيميائي يعتمد على استحثاث العينة أو المادة بواسطة الضوء أو الكهرباء أو المجال المغناطيسي ليحدث تغير في العينة فتكشف عن المركبات الكيميائية المكونة لها.

لنأخذ تقنية مطياف الكتلة mass spectrometry التي تحدثنا عنها في المقال السابق (اضغط هنا لمزيد من المعلومات)، فهي تقنية معتمدة ومجربة. فمثلا اذا أراد عالم بيولوجي ان يعرف ما المادة السامة الملوثة لنوع من السمك، فانه سيأخذ عينة من الأغشية العضلية للسمكة ويقوم بتحليلها في سائل يعمل على إذابتها. بعد ذلك يتم إدخال المحلول الناتج في جهاز مطياف الكتلة حيث تبدأ عملية التحليل بقذف المحلول بالالكترونات لتحويل الذرات والجزيئات في العينة إلى أجسام مشحونة تعرف باسم الايونات ions. يقوم البيولوجي باستخدام مجال كهربي أو مجال مغناطيسي لفصل الايونات المختلفة بناء على كتلها أو مقدار شحنتها، وبهذا يستطيع أن يكشف المادة السامة الملوثة للسمك مثل مادة DDT.

في السنوات الأخيرة استخدم الليزر لاستحثاث المادة وأصبح الاعتماد على الليزر كأداة تحليلية من الأدوات التي لا يمكن الاستغناء عنها. وكل التقنيات التحليلية التي تستخدم الليزر تصنف إلى مجموعتين الأولى تعرف باسم طريقة الكشف الضوئية والثانية تعرف باسم طريقة الكشف الغير ضوئية.

على سبيل المثال في طريقة الكشف الغير ضوئية تساهم تقنية التحليل بالليزر العلماء على تمييز العناصر المختلفة عن طريق سماعها. هذه التقنية تعرف باسم pulsed-laser photoacoustics أي الفوتون الصوتي الناتج عن نبضة الليزر والتي تعمل بتوجيه الليزر على العينة. وعندما تمتص العينة الطاقة من الليزر، فترتفع درجة حرارتها وتتمدد، مما يتسبب عن ذلك إحداث أمواج ضغط صوتية acoustic pressure wave. يستخدم ترانسديوسر انضغاطي (اضغط هنا لمزيد من المعلومات) يعمل على تحويل الاهتزازات الميكانيكية إلى نبضات كهربية، يمكن سماعها بواسطة سماعات خاصة لتساعد الكيمائي على التعرف على الجزئيات في العينة.

المطياف الأيوني الحركي Ion mobility spectrometer الذي يعرف بالاختصار IMS يعتبر من طرق التحليل الغير ضوئية. حيث يستخدم الليزر في هذه التقنية لانتزاع ablate أو قطع أجزاء صغيرة من سطح العينة قبل أن تحدث له تأين. الايونات التي تنتج بسبب نبضات الليزر في العينة تدخل في بخار غازي يتدفق بسرعة كبيرة. العلماء يقومون بقياس سرعة حركة الايونات في الغاز، والتي تتأثر بحجم وشكل الايونات.

في تقنيات الكشف الضوئية التي تعرف باسم التحليل الطيفي بالليزر laser spectroscopy. فان التحليل الطيفي يعمل على استحثاث العينة ثم تحليلها للحصول على الطيف الكهرومغناطيسي الناتج عن الانبعاث الإشعاعي أو الامتصاص الإشعاعي. يعتبر علم الطيف من الأدوات التحليلية الهامة. وفي بقية هذا المقال سوف نتعرف أساسيات علم التحليل الطيفي لمعرفة كيف تستخدم البصمة الكهرومغناطيسية لتمييز بين العناصر.

علم الأطياف يعتمد على مبدأ تكميم مستويات الطاقة في الذرة. فالذرات والجزئيات تمتص أو تشع مقدار محدد من الضوء عند طول موجي معين. ولفهم لماذا لا تمتص الذرة أي ضوء عند أي طول موجي، يجب أن نفهم كيف تتركب الذرة. وقد سبق وان تحدثنا في أكثر من مقال من مقالات كيف تعمل الأشياء عن تركيب الذرة ولكن هنا سنسرد الحقائق باختصار لنتمكن من متابعة المقال.

في العام 1913 تمكن العالم الدينماركي نيل بور Niels Bohr من الاستفادة من نموذج العالم Rutherford للذرة والمتمثل في نواة موجبة الشحنة تحيط بها سحابة الالكترونات، وقد عدل بور على هذا النموذج بحيث يتوافق هذا التعديل مع النتائج العملية التي لم يتمكن نموذج رزرفورد من تفسيرها.

في نموذج بور، الالكترونات تحيط بالنواة في مدارات منفصلة (مكممة)، مثل مدارات الكواكب حول الشمس. في الحقيقة الصورة الكلاسيكية للذرة والضوء تغيرت بعد نموذج بور.

في ذرة بور، الإلكترون في مداره يرتبط بالنواة بمقدار محدد من الطاقة. ويمكن للإلكترون أن يوجد في أي مدار حول الذرة اذا اكتسب مقدار محدد من الطاقة يساوي الفرق بين طاقة هذه المدارات. أي أن الإلكترون لا يشبه الكوكب في هذا الجانب حيث ان الكواكب تبقى في مداراتها ولا يمكن لها إلا ان تسير فيه إلى الأبد أما الإلكترون فانه يمكن ان يغير مداره إلى مدار أخر اذا اكتسب أو فقد مقدار محسوب من الطاقة. ويعتبر الإلكترون في مداره الأصلي انه في الحالة الأرضية ground state. ولنقل الإلكترون من المدار الأرضي إلى أي مدار أخر ابعد فانه يمتص طاقة. وعندما يحدث هذا فإننا نسمي حالة الإلكترون بأنه في الحالة المثار excited state. الالكترونات عموما لا يمكنها ان تبقى في الحالة المثارة لفترة زمنية طويلة. لذلك فهي تقفز عائدة إلى المستوى الأرضي وتتخلص من الطاقة التي اكتسبتها في صورة فوتون عند طول موجي محدد.

تمتص الذرة الطاقة في صورة حرارة أو ضوء أو كهرباء، فينتج عن ذلك انتقال للإلكترون من مدار إلى مدار ذو طاقة أعلى.

كل عنصر من عناصر الجدول الدوري يمتلك مجموعة مدارات فريدة تميزه عن أي عنصر أخر. وبمعنى أخر إن الالكترونات في أي عنصر تترتب في مدارات طاقة حول النواة بطريقة مميزة عن الكترونات أي عنصر أخر. ولان التركيب الداخلي للعناصر فريد ومميز فان الأطوال الموجية المنبعثة عن انتقالات الالكترونات بين مدارات الطاقة سوف تكون مميزة أيضا. ولذلك فان كل عنصر له بصمة خاصة به تعرف باسم الطيف الخاص به spectrum

طور العالمين William Wollaston و Joseph von Fraunhofer أول مطياف لمشاهدة الطيف الخاص بالعناصر. المطياف هو جهاز له القدرة على فصل الضوء حسب طوله الموجي. يدخل الضوء من فتحة ضيقة ويمر في عدسة لنحصل على أشعة ضوئية متوازية. تسقط هذه الأشعة على منشور يعمل على حرف الضوء عن مساره بزاوية تعتمد على الطول الموجي للضوء. لذا نحصل على حزم من الضوء كل حزمة لها لون محدد مثل ما يحدث في تحليل ضوء الشمس في يوم ممطر إلى ألوان الطيف المعروفة باسم rainbow. ولرصد الأطوال الموجية المختلفة التي تم تحليلها يتم استخدام عدسة أخرى تقوم بتجميع الضوء وتركيزه على فتحة المخرج لتسمح بلون واحد فقط من المرور عبرها وباستخدام تلسكوب مثبت على قاعدة قابلة للدوران يمكن رصد كل الأطوال الموجية عن طريق دوران التلسكوب بالنسبة للمنشور. وبرصد الزاوية التي خرج عندها طول موجي معين يمكن معرفة الطول الموجي للضوء عند تلك الزاوية وهناك أجهزة أخرى أكثر تعرف باسم المطياف البياني spectrogtaphs والذي يصور الطيف الناتج على فيلم.

انواع التحليل الطيفي باستخدام الليزر

في التحليل الطيفي باستخدام الليزر (مطياف الليزر) يقوم المختص بتسليط ضوء الليزر على العينة، ويحصل على ضوء يمكن ان يحلل بواسطة المطياف الضوئي. وسوف نقوم فيما يلي بشرح بعض التقنيات المستخدمة في مطياف الليزر.

(1) أطياف رامان Raman spectroscopy هذه التسمية تعود إلى مكتشفها العالم الهندي C.V. Raman الذي قام بقياس التشتت الناتج عن ضوء أحادي اللون عندما يسقط على العينة. الضوء الأحادي اللون ناتج عن ليزر ايونات الارجون تم توجيهه بواسطة مرايا وعدسات ليسقط بشكل مركز على العينة. معظم أشعة الليزر ترتد عن العينة وتتشتت عند نفس الطول الموجي لضوء الليزر ولكن بعض أشعة الضوء تتشتت عند أطوال موجية مختلفة. وهذا بسبب تفاعل أشعة الليزر بالحركة الاهتزازية للجزئيات المكونة للعينة phonons. هذه الاهتزازات تجعل فوتونات الليزر تكتسب أو تفقد طاقة. الانزياح في الطاقة يعطي معلومات عن أنماط الاهتزازات في العينة.

(2) الوميض Fluorescence تسمية الوميض Fluorescence تعود إلى الإشعاع المرئي المنبعث من بعض المواد بسبب سقوط إشعاع ذو طول موجي قصير على المادة. في الوميض المستحث بواسطة الليزر laser induce fluorescence او LIF، يقوم الباحث بتسليط أشعة الليزر النيتروجين أو ليزر الصبغات العضوية على العينة. فيتم إثارة الكترونات العينة لمدارات ذات طاقة عالية. وبعد مرور فترة زمنية قصيرة في حدود بضعة نانوثانية تعود الالكترونات إلى مستويات الطاقة الأرضية. وتفقد هذه الالكترونات طاقة يشعها في صورة فوتونات عند أطوال موجية أطول من الطول الموجي لليزر. وذلك لان مستويات الطاقة للذرات والجزئيات مميزة فان الطيف الوميضي الناتج يكون منفصل ومحدد يمكن استخدامه في التعرف على العينة التي أنتجته.

الوميض المستحث بواسطة الليزر يستخدم بشكل كبير كأداة تحليلية في الكثير من التطبيقات. على سبيل المثال بعض الدول طبقت هذا النوع من التحليل للتأكد من سلامة الخضروات من المواد الملوثة بالمبيدات. يتكون نظام التحليل المعتمد على هذه التقنية من جهاز ليزر النيتروجين ومجس ومحلل طيفي، يقوم المحلل بتسليط ضوء الليزر على الخضروات المراد فحصها ومن ثم يقوم بدراسة الوميض الطيفي الناتج. وفي بعض الأحيان يكتشف وجود أثار للمواد الملوثة بالمبيدات



(3) الانتزاع بواسطة الليزر المصحوب بانبعاث طيفي من البلازما الناتجة Laser ablation inductively coupled plasma optical emission spectroscopy والذي يعرف بالاختصار LA-ICP-OES إن هذا الاسم الكبير والمعقد بحاجة إلى توضيح وشرح ولنبدأ بالمصطلح ICP والذي يعتبر أساس تقنية التحليل في هذه التقنية. الحرف P يعود إلى البلازما والتي هي عبارة عن غاز في حالة تأين أي يحتوي على ايونات موجبة والكترونات حرة. في الطبيعة البلازما تكون موجودة كحالة من حالات المادة في النجوم، حيث تتوفر درجات حرارة عالية وضغط مرتفع كافي لتأين الغاز. ولكن الفيزيائيين في المختبر يمكنهم توفير الظروف نفسها للوصول إلى حالة البلازما بواسطة معدات تعرف باسم شعلة البلازما plasma torch. الشعلة تتكون من ثلاثة أنابيب من السليكا متحدة المركز محاطة بملف معدني. عندما يمر التيار الكهربي خلال الملف يتولد مجال مغناطيسي يعمل على توليد تيار كهربي في الغاز (عادة ما يكون الارجون) يعمل على اثارة ذرات الارجون ويحوله الى بلازما. وتخرج البلازما من فوهة شعلة البلازما.

4) الطيف المستحث بواسطة الليزر ­Laser-induced breakdown spectroscopy (LIBS) هو تقنية تشبه LA-ICP-OES، إلا انه في هذه التقنية يستخدم الليزر لانتزاع الجسيمات من المادة وأيضا للحصول على البلازما. وسوف نقوم بشرح هذه التقنية بمزيد من التفصيل لأنها أصبحت الأهم والأكثر انتشاراً.



تقنية التحليل الطيفي المستحث بواسطة الليزر

التحليل الطيفي المستحث بواسطة الليزر أو ما سوف نطلق عليه LIBS يعتبر تقنية متقدمة ومهمة. حيث بها يمكن تحليل المواد الصلبة والسائلة والغازية والحصول على نتائج بسرعة كبيرة، بدون أن تسبب أي ضرر يذكر للعينة. ليس هذا فحسب، بل إنها ممكن ان تعمل على مسافة اكبر نسبيا من التقنيات الأخرى التي تتطلب إحضار العينة إلى المختبر لتحليلها. فعلى سبيل المثال يمكن استخدام LIBS للكشف على الأسطح الملوثة بالإشعاع النووي. حيث يمكن تثبيت جهاز الليزر على بعد أمتار من جدران المفاعل النووي والحصول على نتائج مرضية. وتسمح هذه التقنية العمل خلف جدار واقي من الإشعاع بالاعتماد على المرايا والعدسات لتوجيه شعاع الليزر للمنطقة المراد فحصها.

الآن سوف نقوم بشرح فكرة عمل تقنية LIBS حيث تتكون من أربعة أجزاء أساسية وهي على النحو الموضح في الشكل أعلاه وسوف نقوم بشرح كل جزء

(1) الجزء الرئيسي وهو الليزر بالطبع. ويستخدم LIBS ليزر Nd:YAG الذي طوله الموجي 1,064nm، ولكن تجدر الإشارة إلى أن أنواع أخرى من الليزر تم استخدامها أيضا. يعمل الليزر بنظام النبضات كل نبضة تصل إلى العينة يكون لها زمن يتراوح من 5 إلى 20 نانوثانية.

(2) يمر شعاع الليزر عبر عدسة تقوم بتجميع طاقة الليزر على العينة. بعض الأنظمة تعمل في المختبر مثبتة على بنش خاص يحتوي على العينة داخل مفرغة هواء. ولكن بعض الأنظمة الأخرى تكون محولة ويمكن نقلها إلى المكان الذي فيه العينة المراد فحصها. وعلى كل الأحوال فانه كلما كان تركيز أشعة الليزر اكبر كلما كانت الطاقة اللازمة لانتزاع الجسيمات من سطح العينة اقل. كل نبضة من نبضات الليزر تحمل طاقة في حدود 10 إلى 100 ملي جول. وهذه الطاقة كافية لانتزاع بعض جسيمات المادة. وهذه الجسيمات تكون متأنية وتكون ما يعرف باسم سحابة البلازما plasma plume.

(3) تتمدد سحابة البلازما المكونة من الغاز المنأين وخلال فترة زمنية في حدود ميكروثانية تبدأ الذرات في الاسترخاء وتنتقل إلى المدارات الأرضية مطلقة فوتونات ضوئية تعرف باسم طيف الانبعاث spectral emission. تسقط هذه الفوتونات الضوئية على عدسات تجمعها وتركزها على نظام من الألياف البصرية fiber optic. يقوم نظام الألياف البصرية بنقل الضوء إلى المطياف.

(4) يحتوي المطياف على منشور، يعمل على تشتيت الضوء حسب طوله الموجي وتقوم كاميرا خاصة بتسجيل الطيف لمزيد من الدارسة والتحليل. وبدارسة الأطوال الموجية للضوء المنبعث ومقدار شدته كما هو موضح في الشكل أعلاه، ويمكن التعرف على العناصر الموجودة في العينة ومقدار تركيزها.

لاحظ إن هذه التقنية تتميز بالعديد من الخصائص والميزات التي تجعلها من أفضل تقنيات التحليل الطيفي حيث إن العينة لا يلزم لها أي تجهيزات مسبقة كما إن التقنية غير مكلفة واستخدامها سهل ويمكن استخدامها لتحديد مكونات عناصر أي نوع من العينات، هذا بالإضافة إلى أن هذه التقنية لا تحدث أي ضرر على العينة تحت الفحص لان ما ينتزعه الليزر من سطح المادة غير مرئي مما يجعل لهذه التقنية تطبيقات أكثر من كونها تقنية للتحليل الطيفي كما سوف نرى في الجزء التالي من هذا المقال. 



دراسة حالة: باستخدام تحليل الليزر لدراسة الرسومات الفنية

لفهم كيف يستخدم تحليل الليزر بطريقة عملية، افترض انه في متحف يمتلك لوحة فنية ثمينة تعود للقرن السابع عشر، وبمرور السنين جرت العديد من عمليات الصيانة والترميم على اللوحة مما أضاف طبقة جديدة قد تكون غير مرئية فوق الألوان الأصلية التي استخدمها الفنان. بالإضافة إلى ذلك فان التراب والدخان ممكن تكون قد التصقت بسطح اللوحة، مما سببت تعتيم بسيط للوحة جعلت من القطعة الفنية تبدو باهتة بدون رونق أو جاذبية. فقررت إدارة المتحف أن تقوم بتحليل هذه اللوحة لفهم ماذا حدث لها عبر السنوات الماضية وما هي المواد التي ترسبت فوق اللوحة.

ان استخدام أي نوع من المواد الكيميائية كمنظفات لإزالة الطبقات التي ترسبت على اللوحة قد يصيب اللوحة بضرر بالغ حتى لو كان استخدام هذه المنظفات يتم بعناية فائقة فانه لا يمكن لا احد ان يعرف اذا كانت عملية التنظيف هذه لن تؤثر على الألوان الأصلية للوحة. ولكن باستخدام تقنية الطيف المستحث بواسطة الليزر laser-induced breakdown spectroscopy يمكن ان تتم عملية التنظيف بدون ان تمس الألوان الأصلية للوحة. كيف يمكن ذلك؟

تؤخذ اللوحة الأصلية لجهاز الطيف المستحث بواسطة الليزر وتمسح كل سنتمتر فيها ليتم تحليله. وبقيام الليزر بانتزاع طبقات رقيقة من سطح اللوحة وبدارسة الطيف المنبعث من البلازما المتكونة نتيجة للانتزاع يمكن تحديد بدقة نوع الجزئيات الموجودة على اللوحة والتي يجب التخلص منها. على سبيل المثال، عندما نحلل مساحة من اللوحة ذات لون ابيض، فإننا نعرف نوع الأصباغ المختلفة المستخدمة فيها. فمثلا اذا احتوت هذه الأصباغ على عنصر الرصاص وأخرى احتوت على عنصر التتانيوم. فان التتانيوم لم يكون متوفر في الأسواق حتى العام 1920 فنستطيع ان نعرف ان التتانيوم جاء نتيجة عمليات الترميم التي قام بها فنيو المتحف أوقات سابقة. وليس هذا فحسب حيث يستطيع المختص ان يعرف أيضا بدقة سمك كل طبقة والطبقة التي تليها من خلال دراسة طيف الانبعاث وتحليله فاذا تغير الطيف يعرف انه انتقل لطبقة جديدة.

في الواقع بدأ استخدام تقنية الطيف المستحث بواسطة الليزر LIBS على مساحات صغيرة من لوحات فنية ولكن في القريب العاجل سوف يصبح استخدام هذه التقنية وسيلة معتمدة لتحليل اللوحات الفنية واستعادتها إلى أصلها. وذلك من خلال إزالة الطبقات الغير مرغوب فيها طبقة طبقة حتى الوصول إلى الطبقة الأصلية للوحة الفنية.

أطباء الأسنان بدءوا باستخدام تقنية LIBS لتحديد العمق الذي يجب ان يصلوا له في تجويف السن. كما ان مختبرات ضبط الجودة يعتمدوا على هذه التقنية في تحديد مقدار العناصر المضافة إلى الألومنيوم المستخدم في البناء للتأكد من ان النسبة المطلوبة هي التي تم إضافتها للخليط. كما ان علماء الآثار والطب الشرعي يستخدموا هذه التقنية في عمليات التحليل للحصول على معلومات دقيقة.

وبالرغم من ان عمر الليزر لم يتعدى الخمسون عاما إلا انه اثبت أداة قوية وفعالة تساعد في الإجابة على الكثير من الأسئلة وتحل الكثير من المشاكل المعقدة.



وفي النهاية أتمنى أن أكون قدمت شرحا مبسطا لتقنيات التحليل الطيفي المستحث بواسطة الليزر كأحد التطبيقات المهمة لليزر

الأمثال والحكم في العصر الجاهلي


الأمثال والحكم في العصر الجاهلي
الحكم و الأمثال
وهي مرآة تنعكس عليها صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والطبيعية، وهي تعبير يصدر عن عامة الناس دون تكلف، ولهذا يتجه الباحثون عن طبائع الشعوب إلى دراسة أمثالها . وربما كانت هذه وحدها التي وصلت إلينا كلها كما نطق بها أصحابها بلا تغيير أو تحريف ولا زيادة أو نقص ؛ لما تمتاز به من تركيز بالغ وإيجاز شديد ، وقبول للحفظ والشيوع على الألسنة في كل مناسبة ، وبذلك تكون اصح ما بقي من النصوص النثرية الجاهلية وأقربها إلى أصولها الأولى ، وان كانت لا تقدم صورة كاملة عن النثر الجاهلي .

 تعريفها:ـ الحكم والأمثال: جمل قصيرة بليغة، خالية من الحشو، أوحت بها تجارب الحكماء والمعمرين في الحياة والعلاقات بين الناس، وهي ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والرأي المحكم.
وقد اشتهر عند العرب في العصر الجاهلي طائفة من أولئك الحكماء، مثل: لقمان عاد وهو غير لقمان الحكيم، المذكور في القرآن الكريم، وأكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، ولبيد بن ربيعة. وبعض هؤلاء يُعدون في الخطباء، وحكام المنافرات أيضاً.    ولا يكاد يوجد في العصر الجاهلي سيد، أو شريف، أو خطيب مشهور إلا أضيفت إليه جملة من الحكم والأمثال.
الفرق بين الحكمة والمثل
       والفرق بين الحكمة والمثل، أن الحكمة قول موجز جميل، يتضمن حُكماً صحيحاً مسلماً به. لأنه نابع من الواقع ومعاناة التجارب في الحياة، مثل: «آخرُ الدواءِ الكيّ، وأولُ الشجرةِ النواةُ، وإنكَ لا تجني من الشوكِ العنبَ...». 
        وأما المثل فهو - في أصله - قول يقترن بقصة أدت إليه، ثم يدخل في نطاق الأمثال حين يستشهد به في مقامات مماثلة، وفي حالات مشابهة للحالة الأولى التي ورد ذلك القول فيها. كما وتختلف الحكمة عن المثل في أنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها، بعكس المثل الذي يصدر عن عامة الناس .
         وقد دون العرب حكمهم وأمثالهم منذ أوائل العصر الأموي، وهذا مما ساعد على حفظها وتواترها على الألسنة.  وأكثر تلك الحكم والأمثال لا يعرف أصحابها أو قائلوها، وقد سيقت بأسلوب سهل، لا أثر للصنعة الإنشائية فيه، وبعضها بل أكثرها، يعد من الإنشاء الرفيع، والسبك الجيد. وكثير منها أشطار موزونة، ربما كانت مقتطعة من أبيات كاملة، مثل: «رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ» وهو عجز بيت لامرئ القيس . كما لا تخلو صياغة بعض الحكم والأمثال أحياناً، من خروج على النظام اللغوي. كقولهم: «مكرهٌ أخاكَ، لا بطلٌ » .

الخصائص الفنية للأمثال والحكم

1-            إيجاز اللفظ . 2- إصابة المعنى . 3- حُسن التشبيه . 4- جودة الكناية .

أسباب انتشار الحكم والأمثال وذيوعها في الجاهلية :-
أ - إنها بيئة فطرية تغلب فيها الأمية وتشتد الحاجة إلى التجارب المستخلصة بصورة أقوال لها معنى صادق.
ب - كذلك يرتبط المثل بحادثة أو حكاية تساعد على انتشاره.
ﺠ - تصاغ الأمثال غالبا في عبارة حسنة، يظهر فيها دقة التشبيه بين مورد المثل
    والمناسبة التي يتمثل به فيها وذلك ما يرضي ذوق العربي .
د- أما الحكم فشاعت على ألسنة العرب لاعتمادها على التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة.

نماذج لأمثال العرب في الجاهلية
1- جزاءهُ جزاءَ سنمّار: يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالإساءة إليه.
2- رَجعَ بخُفّي حُنين: يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل.
3- وافقّ شنٌ طبقة: يضرب للمتوافقين في أمر معين .
4- الصيفَ ضيّعتُ اللبنَ: يضرب لمن يضيع أمرا على نفسه ثم يطلبه بعد فوات الأوان.
 نماذج من حكم العرب في الجاهلية
1- مَصارعُ الرجالِ تحتَ بروقِ الطمع: و فيها دعوة إلى القناعة فأن الطمع يقتل صاحبه.
2- رُبّ ملومٍ لا ذنبَ لهُ : وفيها دعوة إلى التحقق من الأمر قبل توجيه اللوم للبريء.
3- أدبُ المرءِ خيرٌ مِنْ ذهبهِ : معناها إن قيمة الإنسان بأدبه لا بماله.
4- مَنْ فَسدتْ بطانتهُ كانَ كالغاصِ بالماء: وهذه تدعو إلى حسن اختيار الأعوان .

من الأمثلة الشهيرة على أمثال العرب في الجاهلية:
"لا يطاع لقصير أمر، ولأمر ما جمع قصير أنفه" ـ " بيدي لا بيد عمرو".
قصة ثأر امرئ القيس لأبيه ومنها: "ضيعني صغيراً وحملني ثأره كبيراً" ـ "لا صحو إليوم ولا سكر غداً" ـ "اليوم خمر وغداً أمر".
جزاء سنمار: يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالإساءة إليه.
رجع بخفي حنين: يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل.
إنك لا تجني من الشوك العنب: يضرب لمن يرجو المعروف في غير أهله أو لمن يعمل الشر وينتظر من ورائه الخير.
ربما يستطيع المحققون بجهد أن يردوا بعض هذه الأمثال لأصحابها ومبدعيها، فمن حكماء العرب عدد كبير قد اشتهر بابتكاره وإبداعه للأمثال، بما فيها من عمق، وإيجاز، وسلاسة. يقول الجاحظ: "ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي التميمي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطيعة، وعامر بن الظرب، ولبيد بن ربيعة.
وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي، تدور علي لسانه حكم وأمثال كثيرة. وهي تجري علي هذا النسق: "رب عجلة تهب ريثاً"، "ادرعوا الليل فإن الليل أخفى للويل"، "المرء يعجز لا محالة"، "لا جماعة لمن اختلف"، "لكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح، فإنه كفى بالمشرفية واعظاً"، "أسرع العقوبات عقوبة البغي".
ولكن أمثال العرب لم تأت على مثل هذه الدرجة من الرقي والانضباط الأسلوبي، مثل التي جاء بها أكثم، بل إن كثيراً من الأمثال الجاهلية تخلو من التفنن التصويري، وهذا بطبيعة الأمثال فإنها ترد على الألسنة عفوا ًوتأتي على ألسنة العامة لا محترفي الأدب. فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها علي القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل:
"أعط القوس باريها" - بتسكين الياء في باريها والأصل فتحها.
"أجناؤها أبناؤها" - جمع جان وبان والقياس الصرفي جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع علي أفعال وهذا يثبت أن المثل لا يتغير بل يجري كما جاء علي الألسنة وأن خالف النحو وقواعد التصريف. وبعض الأمثال يغلب عليها الغموض وقد تدل تركيبتها على معنى لا تؤدي إليه الكلمات بذاتها، ومن ذلك قول العرب: (بعين ما أرينك)؛ أي أسرع.
ولم يكن هذا النوع من الأمثال هو الوحيد بل هناك أمثال صدرت عن شعراء مبدعين وخطباء مرموقين فجاءت راغبة الأسلوب متألقة بما فيها من جماليات الفن والتصوير مثل: أي الرجال المهذب، فهذا المثل جزء من بيت للنابغة يضرب مثلا لاستحالة الكمال البشرين. والبيت: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث. أي الرجال المهذب. ويصعب تمييز المثل الجاهلي عن الإسلامي. إلا بما يشير إليه من حادث أو قصة أو خبر، يساعد على معرفته وتمييزه مثل: " ما يوم حليمة سر"، وحليمة بنت ملك غسان. فهو في عصر الإسلام والمثل: "اليوم خمر وغدا أمر". هو في العصر الجاهلي والأمثال ذات قالب ثابت البنية، إذ هو ذاته يستعمل في كل الأحوال، وهي تنقسم إلى 03أقسام من حيث البناء ذات قالب بسيط: إنك لن تجني من الشوك العنب. تاتي في قالب الصنعة اللفظية: من عز بز، عش رجباً ترى عجبا. وبعضها يأتي في قالب منتهكا الترتيب النحوي: الصيف ضيعتِ اللبن.
أما أنواع المثل، فهي حقيقية أو فرضية خيالية. "حقيقية: لها أصل، من حادثة واقعية، وقائلها معروف غالبا، فرضية: ما كانت من تخيل أديب ووضعها عل لسان طائر أو حيوان أو جماد أو نبات أو ما شاكل ذلك، والفرضية تساعد على النقد والتهكم ووسيلة ناجحة للوعظ والتهذيب. - بعض يمثل منهجا معينا في الحياة كقولهم: إن الحديد بالحديد يٌِفًلح".
وبعضها ما يحمل توجيها خاصا كقولهم: قبل الرماء تملأ الكنائن. و بعضها يبني علي ملاحظة مظاهر الطبيعة أو يرتبط بأشخاص اشتهروا بصفات خاصة. أما من حيث اللغة فقد تستعمل الفصحى وهي عادة المثل الجاهلي، وقد تستعمل اللهجة العامية، وقد تكون هجينة ما بين ألفاظ فصحى وأخرى دخيلة وتسمى بالمولدة.

الحكم : الحكمة قول موجز مشهور صائب الفكرة، رائع التعبير، يتضمن معنى مسلماً به، يهدف عادة إلى الخير والصواب، به تجربة إنسانية عميقة.
من أسباب انتشار الحكمة اعتماد العرب على التجارة واستخلاص العظة من الحوادث نفد البصية والتمكن من ناصية البلاغة. وكان من أهم خصائصها ؛روعة التشبيه، وقوة اللفظ، ودقة التشبيه، وسلامة الفكرة مع الإنجاز.
·              أوجه الاختلاف بين المثل والحكمة:
تتفق الحكمة مع المثل في: الإيجاز، والصدق، وقوة التعبير، وسلامة الفكرة.
·              تختلف الحكمة عن المثل في أمرين:
لا ترتبط في أساسها بحادثة أو قصة.
إنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها.
·              أسباب انتشارها: قد شاعت الحكمة علي ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة.

الأمثال والحكم في العصر الجاهلي

الأمثال والحكم في العصر الجاهلي الحكم و الأمثال:ـ وهي مرآة تنعكس عليها صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والطبيعية، وهي تعبير يصدر عن عامة الناس دون تكلف، ولهذا يتجه الباحثون عن طبائع الشعوب إلى دراسة أمثالها . وربما كانت هذه وحدها التي وصلت إلينا كلها كما نطق بها أصحابها بلا تغيير أو تحريف ولا زيادة أو نقص ؛ لما تمتاز به من تركيز بالغ وإيجاز شديد ، وقبول للحفظ والشيوع على الألسنة في كل مناسبة ، وبذلك تكون اصح ما بقي من النصوص النثرية الجاهلية وأقربها إلى أصولها الأولى ، وان كانت لا تقدم صورة كاملة عن النثر الجاهلي . تعريفها:ـ الحكم والأمثال: جمل قصيرة بليغة، خالية من الحشو، أوحت بها تجارب الحكماء والمعمرين في الحياة والعلاقات بين الناس، وهي ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والرأي المحكم. وقد اشتهر عند العرب في العصر الجاهلي طائفة من أولئك الحكماء، مثل: لقمان عاد وهو غير لقمان الحكيم، المذكور في القرآن الكريم، وأكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، ولبيد بن ربيعة. وبعض هؤلاء يُعدون في الخطباء، وحكام المنافرات أيضاً. ولا يكاد يوجد في العصر الجاهلي سيد، أو شريف، أو خطيب مشهور إلا أضيفت إليه جملة من الحكم والأمثال. الفرق بين الحكمة والمثل:ـ والفرق بين الحكمة والمثل، أن الحكمة قول موجز جميل، يتضمن حُكماً صحيحاً مسلماً به. لأنه نابع من الواقع ومعاناة التجارب في الحياة، مثل: «آخرُ الدواءِ الكيّ، وأولُ الشجرةِ النواةُ، وإنكَ لا تجني من الشوكِ العنبَ...». وأما المثل فهو - في أصله - قول يقترن بقصة أدت إليه، ثم يدخل في نطاق الأمثال حين يستشهد به في مقامات مماثلة، وفي حالات مشابهة للحالة الأولى التي ورد ذلك القول فيها. كما وتختلف الحكمة عن المثل في أنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها، بعكس المثل الذي يصدر عن عامة الناس . وقد دون العرب حكمهم وأمثالهم منذ أوائل العصر الأموي، وهذا مما ساعد على حفظها وتواترها على الألسنة. وأكثر تلك الحكم والأمثال لا يعرف أصحابها أو قائلوها، وقد سيقت بأسلوب سهل، لا أثر للصنعة الإنشائية فيه، وبعضها بل أكثرها، يعد من الإنشاء الرفيع، والسبك الجيد. وكثير منها أشطار موزونة، ربما كانت مقتطعة من أبيات كاملة، مثل: «رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ» وهو عجز بيت لامرئ القيس . كما لا تخلو صياغة بعض الحكم والأمثال أحياناً، من خروج على النظام اللغوي. كقولهم: «مكرهٌ أخاكَ، لا بطلٌ » . الخصائص الفنية للأمثال والحكم:ـ 1- إيجاز اللفظ . 2- إصابة المعنى . 3- حُسن التشبيه . 4- جودة الكناية . أسباب انتشار الحكم والأمثال وذيوعها في الجاهلية :- أ - إنها بيئة فطرية تغلب فيها الأمية وتشتد الحاجة إلى التجارب المستخلصة بصورة أقوال لها معنى صادق. ب - كذلك يرتبط المثل بحادثة أو حكاية تساعد على انتشاره. ﺠ - تصاغ الأمثال غالبا في عبارة حسنة، يظهر فيها دقة التشبيه بين مورد المثل والمناسبة التي يتمثل به فيها وذلك ما يرضي ذوق العربي . د- أما الحكم فشاعت على ألسنة العرب لاعتمادها على التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة. نماذج لأمثال العرب في الجاهلية :ـ 1- جزاءهُ جزاءَ سنمّار: يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالإساءة إليه. 2- رَجعَ بخُفّي حُنين: يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل. 3- وافقّ شنٌ طبقة: يضرب للمتوافقين في أمر معين . 4- الصيفَ ضيّعتُ اللبنَ: يضرب لمن يضيع أمرا على نفسه ثم يطلبه بعد فوات الأوان. نماذج من حكم العرب في الجاهلية :ـ 1- مَصارعُ الرجالِ تحتَ بروقِ الطمع: و فيها دعوة إلى القناعة فأن الطمع يقتل صاحبه. 2- رُبّ ملومٍ لا ذنبَ لهُ : وفيها دعوة إلى التحقق من الأمر قبل توجيه اللوم للبريء. 3- أدبُ المرءِ خيرٌ مِنْ ذهبهِ : معناها إن قيمة الإنسان بأدبه لا بماله. 4- مَنْ فَسدتْ بطانتهُ كانَ كالغاصِ بالماء: وهذه تدعو إلى حسن اختيار الأعوان . من الأمثلة الشهيرة على أمثال العرب في الجاهلية: "لا يطاع لقصير أمر، ولأمر ما جمع قصير أنفه" ـ " بيدي لا بيد عمرو". قصة ثأر امرئ القيس لأبيه ومنها: "ضيعني صغيراً وحملني ثأره كبيراً" ـ "لا صحو إليوم ولا سكر غداً" ـ "اليوم خمر وغداً أمر". جزاء سنمار: يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالإساءة إليه. رجع بخفي حنين: يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل. إنك لا تجني من الشوك العنب: يضرب لمن يرجو المعروف في غير أهله أو لمن يعمل الشر وينتظر من ورائه الخير. ربما يستطيع المحققون بجهد أن يردوا بعض هذه الأمثال لأصحابها ومبدعيها، فمن حكماء العرب عدد كبير قد اشتهر بابتكاره وإبداعه للأمثال، بما فيها من عمق، وإيجاز، وسلاسة. يقول الجاحظ: "ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي التميمي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطيعة، وعامر بن الظرب، ولبيد بن ربيعة. وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي، تدور علي لسانه حكم وأمثال كثيرة. وهي تجري علي هذا النسق: "رب عجلة تهب ريثاً"، "ادرعوا الليل فإن الليل أخفى للويل"، "المرء يعجز لا محالة"، "لا جماعة لمن اختلف"، "لكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح، فإنه كفى بالمشرفية واعظاً"، "أسرع العقوبات عقوبة البغي". ولكن أمثال العرب لم تأت على مثل هذه الدرجة من الرقي والانضباط الأسلوبي، مثل التي جاء بها أكثم، بل إن كثيراً من الأمثال الجاهلية تخلو من التفنن التصويري، وهذا بطبيعة الأمثال فإنها ترد على الألسنة عفوا ًوتأتي على ألسنة العامة لا محترفي الأدب. فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها علي القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل: "أعط القوس باريها" - بتسكين الياء في باريها والأصل فتحها. "أجناؤها أبناؤها" - جمع جان وبان والقياس الصرفي جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع علي أفعال وهذا يثبت أن المثل لا يتغير بل يجري كما جاء علي الألسنة وأن خالف النحو وقواعد التصريف. وبعض الأمثال يغلب عليها الغموض وقد تدل تركيبتها على معنى لا تؤدي إليه الكلمات بذاتها، ومن ذلك قول العرب: (بعين ما أرينك)؛ أي أسرع. ولم يكن هذا النوع من الأمثال هو الوحيد بل هناك أمثال صدرت عن شعراء مبدعين وخطباء مرموقين فجاءت راغبة الأسلوب متألقة بما فيها من جماليات الفن والتصوير مثل: أي الرجال المهذب، فهذا المثل جزء من بيت للنابغة يضرب مثلا لاستحالة الكمال البشرين. والبيت: ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث. أي الرجال المهذب. ويصعب تمييز المثل الجاهلي عن الإسلامي. إلا بما يشير إليه من حادث أو قصة أو خبر، يساعد على معرفته وتمييزه مثل: " ما يوم حليمة سر"، وحليمة بنت ملك غسان. فهو في عصر الإسلام والمثل: "اليوم خمر وغدا أمر". هو في العصر الجاهلي والأمثال ذات قالب ثابت البنية، إذ هو ذاته يستعمل في كل الأحوال، وهي تنقسم إلى 03أقسام من حيث البناء ذات قالب بسيط: إنك لن تجني من الشوك العنب. تاتي في قالب الصنعة اللفظية: من عز بز، عش رجباً ترى عجبا. وبعضها يأتي في قالب منتهكا الترتيب النحوي: الصيف ضيعتِ اللبن. أما أنواع المثل، فهي حقيقية أو فرضية خيالية. "حقيقية: لها أصل، من حادثة واقعية، وقائلها معروف غالبا، فرضية: ما كانت من تخيل أديب ووضعها عل لسان طائر أو حيوان أو جماد أو نبات أو ما شاكل ذلك، والفرضية تساعد على النقد والتهكم ووسيلة ناجحة للوعظ والتهذيب. - بعض يمثل منهجا معينا في الحياة كقولهم: إن الحديد بالحديد يٌِفًلح". وبعضها ما يحمل توجيها خاصا كقولهم: قبل الرماء تملأ الكنائن. و بعضها يبني علي ملاحظة مظاهر الطبيعة أو يرتبط بأشخاص اشتهروا بصفات خاصة. أما من حيث اللغة فقد تستعمل الفصحى وهي عادة المثل الجاهلي، وقد تستعمل اللهجة العامية، وقد تكون هجينة ما بين ألفاظ فصحى وأخرى دخيلة وتسمى بالمولدة. الحكم : الحكمة قول موجز مشهور صائب الفكرة، رائع التعبير، يتضمن معنى مسلماً به، يهدف عادة إلى الخير والصواب، به تجربة إنسانية عميقة. من أسباب انتشار الحكمة اعتماد العرب على التجارة واستخلاص العظة من الحوادث نفد البصية والتمكن من ناصية البلاغة. وكان من أهم خصائصها ؛روعة التشبيه، وقوة اللفظ، ودقة التشبيه، وسلامة الفكرة مع الإنجاز. • أوجه الاختلاف بين المثل والحكمة: تتفق الحكمة مع المثل في: الإيجاز، والصدق، وقوة التعبير، وسلامة الفكرة. • تختلف الحكمة عن المثل في أمرين: لا ترتبط في أساسها بحادثة أو قصة. إنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها. • أسباب انتشارها: قد شاعت الحكمة علي ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة.

فساد الاخلاق الفساد الاخلاقي اخلاق فساد


مقدمة :
لقد رزء العالم الغربي والشرقي من تبعهم في أعز ما يجب الحفاظ عليه في السلوك وهي القيم والأخلاق الطيبة التي ميز الله بها الإنسان عن الحيوانات، لقد كانت البشرية - فيما عرف من تاريخهم - في غاية الحفاظ على التمسك بالأخلاق والحشمة والحياء بل منذ أن طفق آدم وحواء عليهما السلام يخصفان عليهما من ورق الجنة والتمسك بالأخلاق الحسنة والبعد عن سيئها فطرة في النفوس حتى إذا اجتالت الشياطين من اجتالته من حثالة البشر فإذا بالأمر ينعكس تماما بعد أن انتكست أخلاقهم وفسدت فطرهم وتردوا في مهاوي الضلال وتنكروا للفضيلة بل رأوها عارا وتخلفا ورأوا الثياب التي هي زينة للإنسان كالريش للطائر، رأوها تأخرا، فنبذوها في مجامع عامة تسمى نوادي العراة حيث وصلوا فيها إلى ما لا تصل إليه الحيوانات، وصدق قول الله تعالى عليهم: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

1- تعريف الأخلاق هي:
(صفة في النفس تظهر آثارها في الكلام والسلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة) ([1]).
شرح التعريف:
(صفة في النفس) المقصود بذلك أن الخلق عبارة عن أمر حسن أو قبيح كامن داخل النفس، تصدر عنه الأعمال والتصرفات بتلقائية ويسر من غير حاجة إلى تفكر وتأمل، فكأنه طبيعة وسجية، فمن يبذل المال بسماحة وعفوية يسمى كريماً، ومن يتجاوز عن المخطئ برفق ولطف فهو متصف بالحلم.
أما من يتكلف البذل والإنفاق أو المسامحة والعفو عند الغضب فلا يقال بأن خلقه السخاء أو الحلم.
وبهذا يظهر الفرق بين (الخلق) (والتخلق).
أما من يظهر منه الخلق أحياناً أو نادراً فلا يوصف بذلك الخلق كمن يصدر منه العدل في حالة عارضة.
و (التخلق) بالأخلاق الحسنة مطلوب، وقد يسمى (الخلاق) وهو (ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه) ([2])، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التخلق ليتعود الإنسان عليه ويرسخ في نفسه بكثرة التكرار، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه)([3]).
(تظهر آثارها) أي أن الأصل في الأخلاق أنها كامنة داخل النفس، ولا يعرف وجودها إلا بظهور آثارها، وفي الغالب أن الإنسان مهما حاول إخفاء أخلاقه الراسخة فيه فإنها تظهر، وخاصة في حالات الإلجاء والمزاحمة، كمن يبتلي بمن يغضبه وهو قادر على الانتقام والانتصار ومع ذلك يحلم ويتجاوز، وكمن يتهيأ له كسب محرم فإن كان عفيفاً ظهرت صفة القناعة فيه، وإن لم يكن كذلك ظهرت في تصرفاته صفة الجشع والحرص، وقد جاء في بعض الآثار (من أسر سريرة ألبسه الله رداءها) ([4])، ويروى عن عثمان رضي الله عنه قوله: (من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله منها رداء يعرف به) ([5]).
وقديماً قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة


وإن خالها تخفى على الناس تعلم([6])
(تظهر آثار الكلام والسلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة)
أي أن الأخلاق الكامنة في نفس الإنسان تعرف من خلال كلامه وتصرفاته والكلام والسلوك أدلة على الخلق الكامن أما هيئته الخارجية وأصحابه الذين يحب مجالستهم ويكثر من مخالطتهم فهي مؤشرات وقرائن تدل على وجود السجايا، وعلى ما ينطوي عليه الشخص من خلق حسن أو قبيح، وسيأتي بيان ذلك.

انتشار فساد الأخلاق والقيم
لقد تمالأ الشرق والغرب كلهم بقيادة اليهودية العالمية على إفساد أخلاق المسلمين ونشر الرذائل بينهم بكل وسيلة، وما أكثر تلك الوسائل التي دخلت كل بيت – إلا من رحم الله – امتلأت بها البيوت والأسواق والواجهات، فلا ترى أمامك ولا عن يمينك ولا عن يسارك إلا دعوة فاجرة وصورة ماجنة وفحشا ورذائل في تخطيط دقيق ودعايات براقة وزخرف من القول، ولك أن تعجب حينما تقرأ في أساطير الملاحدة أن الإنسان كان في بداية حياته عاريا لا يعرف اللباس ولا ستر العورة، ثم ترقى قليلا قليلا إلى أن عرف اللباس، وبعد فترة – ولحاجة في نفس يعقوب – عادوا ونادوا بأن ترك المرأة لباس الحشمة وخروجها شبه عارية أو عارية هو التقدم بعينه والرقي الحضاري، هكذا ودون إبداء أي تعليل لهذه النقلة الغربية، وأصبحت المرأة سلعة رخيصة للرجل يقضي منها حاجته متى أراد، وأصبحت هي عارية والرجل يلبس الثياب الفضفاضة وهي تعاني الحر والبرد في سائر جسمها – اللهم ما تستر به السبيلين – والرجل يلبس لكل حالة لبوسها في دعة وسكون.
وانتشرت محلات الخمور التي تزكم الأنوف تحت حماية القوانين الوضعية – وما دامت الخمر أم الخبائث فماذا تتوقع من وجود الخبائث التي شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، ولك أن تسأل عن عدد المجرمين وعدد المجانين والمعتوهين، وكم عددهم في المستشفيات وفي السجون، إنها أعداد تبعث الرعب والأسى على مستقبل هذه البشرية.
وانتشر الزنا بصورة تتنزه عنها الحيوانات، وظهر عالم من الأولاد غير الشرعيين، وبنيت بيوت الدعارة علنا وتحت حماية القانون، بل وصارت بعض الحكومات السافلة تطلب من الزانيات زكاة مال فروجهن من البغاء، ولم يسمعوا قول الشاعر:
ومطعمة الأيتام من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
ووجدت في بعض مطارات الدول الإسلامية العربية بطاقات لدعوة السياح إلى كيفية معاشرة الزانيات، ووجوب التأكد من صلاحية بطاقاتهن الشخصية خوفا من مرض الإيدز؟ ! !، وقد جاء في الحديث الشريف ما معناه أنه ما انتشر الزنا في قوم إلا سلط الله عليهم عقابا لم يكن في أسلافهم، وقد عرفنا هذا العقاب في زماننا إنه مرض نقص المناعة " الإيدز" الذي جعلهم يجرون جثث موتاهم إلى المقابر كل يوم دون أن يجدوا له الدواء المضاد، ولن يجدوا إن شاء الله إلى أن تتطهر الأرض من رجسهم رغم تبجحهم بأنهم وصلوا في القوة إلى حد أنهم يخلقون الخلق عن طريق التناسخ وإلى حد أنهم يستطيعون إجبار السحاب على إنزال ما به من المطر في المكان الذي يريدون.. إلى آخر غرورهم.
وانتشر الربا وعاد الناس إلى تطبيق العقيدة الجاهلية الأولى فيه حيث كانوا يقولون إنما البيع مثل الربا، فقامت البنوك الربوية الشاهقة البناء ونشطت الشركات في ابتلاع أموال الناس تحت مسميات مختلفة خادعة ودعايات براقة وصار من بقي فيه عرق ينبض ببقية خافتة من الخوف أو الحياء يسميه فائدة ليتحاشى تسميته ربا، مع أن هذه الحيلة قد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها مبكرا حيث ذكر أنه سيأتي أقوام يستحلون الخمر والحرير والمعازف ويسمونها بغير اسمها  (1) ، وهذا هو الحاصل في زماننا، دخل إباحة الزنا تحت تسمية " الحرية الشخصية "، ودخل إباحة الربا تحت تسمية " الفائدة"، ودخل قتل كبار السن ومن لا يريدونه تحت تسمية " الموت الرحيم"، ودخل رفض الدين وتركه تحت تسمية " حرية الأديان " أو "حرية التدين"، ودخلت قلة الحياء ونبذ الحشمة تحت تسمية " التقدم" وترك الماضي، ودخلت أشياء وأشياء كثيرة لا تحصى تحت تسميات كاذبة وعناوين خادعة، ويا ويل البشرية من شر أشرارهم.
وانتشرت ظاهرة المساحيق والماكياجات التي أثقلت ظهور كثير من الرجال والنساء لتذهب فائدة قيمتها إلى بنوك اليهود، وغيروا خلق الله وغرروا ودلسوا واختفت حقائق كثيرة وظهرت أمور غريبة تنذر بشر مستطير ومصير مظلم لا يدري عاقبته إلا الله تعالى.
كما انتشرت ظواهر سيئة في جميع نواحي الحياة من غش وكذب وجشع لا حد له واستغلال القوي للضعيف، وماتت – أوفي طريقها – أخلاق وفضائل كانت عند الناس في قمة أولوياتهم، كفضيلة الكرم، والإيثار، والتواضع، والشهامة... وأخلاق كثيرة لم يعد لها وجود في أذهان كثير ممن مسخت فطرهم المذاهب الفكرية الضالة من اشتراكية ورأسمالية وعلمانية وغيرها من المذاهب المادية التي جنت على القائمين بها قبل غيرهم حينما جعلتهم يعيشون في فوضى وقلق واضطراب يصل إلى حد الجنون، لا يحسون بهدوء ولا راحة نفسية ولا عاطفة حب نحو الآخرين – غير المجاملات العابرة – وجوههم مقطبة، وأفكارهم شاردة، ولم يعد للرحمة تلك المكانة التي تبوأتها قبل ظهور قرن الشيطان فوق المذاهب الفكرية، ولم يعد للعدل والإنصاف أي مكان يحط رحاله فيه – إلا القليل – وذهب حتى ذكر أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – وجاء الجيل الذي لا يأكل الوالد في مطعم ولده أو الولد في مطعم أبيه إلا بدفع القيمة نتيجة حتمية لإعراضهم عن هدي الله عز وجل واتباعهم لأهواء الضالين وقراصنة المال الذين لا يتكلمون إلا في المال، ولا يضحكون إلا للمال ولا يعملون إلا للمال، ولا يعطون شيئا إلا ليأخذوا ما هو أثمن منه، وحق للضعفاء والفقراء أن ينشدوا مع الشاعر قوله:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا            هشوا إليّ ورحبوا بالمقبل
 وبقيت في خلف كان حديثهم          ولغ الكلاب تهارشت في المنزل
      
إن من المؤسف والداعي للرثاء حال الذين يتهجمون على النظام الإسلامي في الأخلاق والسلوك العام والخاص، إننا نرثي لحال أولئك الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا وهم يناصبونه العداء، نرثي لجهلهم ونرحم حالهم وشقاءهم.
ونكون أشد حزنا لحال من يدعي الإسلام وهو يحاربه ويتهجم على نظامه الاجتماعي عن جهل أو عن معرفة، فحينما نسمع من يدعي الإسلام ثم يقول عن قتل القاتل إنه وحشية، وعن قطع يد السارق إنه همجية، وعن عقوبة الزنا بقسميها أنه تدخل في الحرية الشخصية، وعن الحجاب أنه ظلم للمرأة وطمس لها، وعن الحشمة والعفة والوقار أنه من مخلفات الماضي البغيض المتخلف، وعن أشياء أخرى كثيرة حث الإسلام على التمسك بها أو الانتهاء عنها يقول عنها أنها غير صالحة في زماننا، أو أنها كانت لقوم مضوا وانتهوا وانتهت معهم تلك المفاهيم.
إن حال هذا المتحذلق يدعو للرثاء ولا حزن عليه، لأنه يعيش في دوامة مطبقة من الجهل، إنه بحق كما يقول المناطقة " حيوان ناطق " إنه يقلد ما يقوله أعداء الإسلام حرفيا كما تقلد الببغاء الأصوات التي تسمعها، وفوق ذلك يرى نفسه أنه متحضر ومتطور، وأنه بلغ السماء طولا والجبال ارتفاعا، ولا يدري أنه قزم حقير ضئيل على حد قول الشاعر:
مثل المعجب في إعجابــــــه            مثل الواقف في رأس الجبل
 ينظر الناس صغارا وهوفي                      أعينهم صغيرا لم يـــــــزل
      
وحينما ينبري بعض الكتاب السفهاء أو بعض الكاتبات السفيهات ليتباكوا على النظام الأخلاقي الذي أرشد إليه الإسلام بأنه غير حضاري، إنما هم أدوات في أيدي أعدائهم وأعداء دينهم، باعوا ضمائرهم بل ودينهم بثمن بخس وليس لهم عند الله – إن لم يتوبوا – من خلاق.
والذين يجتهدون في نشر الخلاعة والمجون في وسائط الإعلام المختلفة إنما هم عبيد لليهود وخدم لهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وحينما يدعون إلى تأخر الزواج بين الشباب والشابات إلى ما بعد فتور فوران الشهوة فيهم، وبالتالي يقدمون لهم كل وسائل الإغراء لاقتحام الشهوات الجنسية، إنما هم يطبقون جزءا من المخطط المرسوم لمحو الفضائل وإشاعة الفواحش، لأن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لأن فطرهم انعكست وصار العالي سافلا والسافل عاليا في نظرهم.
والذين يدعون إلى تحديد النسل لئلا يحصل الانفجار السكاني بزعمهم، وبالتالي فلا يجدون لقمة العيش  (2) أو يدعون إلى الحد من الإنجاب محافظة على رشاقة المرأة وتألقها إنما هم مخادعون كاذبون ينفذون جزءا من المخطط اليهودي، إذ أن اليهود والنصارى يشجعون تكاثر النسل بينهم، وقد سمعت من إذاعة إسرائيل أنهم احتفوا واحتفلوا بامرأة أنجبت ثمانية أولاد وكرموها وأعطوها عدة جوائز.
ومثلهم دعاة منع الحمل بدون ضرورة أو الإجهاض بلا سبب أو الدعوة إلى خروج المرأة للعمل سافرة متبرجة مبدية زينتها لكل من هب ودب وتضحك مع هذا وتميل إلى هذا، وهذا يمدحها وهذا يضرب على كتفيها استحسانا لها أو لعملها وهي تمشي العنجهية مشية العسكري في طابور التدريب عارية أو شبه عارية.
وكذلك احتقار الحياة الأسرية والعيش مع الأولاد وتهوين الخيانات الزوجية، وما إلى ذلك من الرزايا التي وصل إليها دعاة الأفكار المنحطة التي غزت كل بيت في ديار المسلمين إن أخطأته واحدة أصابته الأخرى ولابد.
ومن الظلم الصارخ والغش المبين تشويههم لصورة الإسلام الناصعة، فقد ربطوا كل صورة من صور التأخر والتخلف الحضاري والمدني بالتمسك بالإسلام أو ترك مذاهبهم التي هي حبل النجاة بزعمهم، فربطوا كل صورة من صور التقدم والنهوض والعيش الرغيد بالتمسك بمذاهبهم وأفكارهم، وقد رأيت في بعض الاحتفالات ببعض الذكريات الخرافية أنهم يأتون بكلام عن الحضارة الغربية وتفوقها، وثم تأتي طائرات تهز الأرض ثم يخلفها رجل عربي يركب حمارا، وأحيانا يركب جملا وعليه أغراضه، ثم تتكرر مناظر كثيرة كأنها تقول انظروا إلى ما عندنا أيها المسلمون وانظروا إلى ما عندكم، وإذا جاز لنا أن نعذرهم لأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ[الأنفال:60] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف))  (3) ، وغير ذلك من النصوص التي يجهلونها، إذا جاز لنا أن نعذرهم، فبأي وجه نعذر من يدعي الإسلام ويقرأ تلك النصوص ثم يرجع باللائمة على الإسلام وتعاليمه وكأنه يقول لم يمنعنا من صناعة هذه الطائرات إلا أن نتخلى عن ديننا لنصبح أمة صناعية؟ ! !، أو نتخلى عن عاداتنا الشرقية – كما يسميها الغرب – أي نتخلى عن ديننا ونظامه في السلوك لنصبح في قمة التطور.. إنها أماني بلا برهان، وحجة العاجز الذليل، فهل الإسلام منعهم وأقام السدود والحواجز بينهم وبين أي مصدر فيه قوة المسلم أيا كان، أليس الإسلام قد دعا إلى القوة واعتزاز المسلم بدينه ويعمل يده واستغنائه عن غيره من المسلمين فضلا عن أعداء الإسلام ؟
لقد انصب اهتمام أعداء الإسلام، أعداء الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن على نشر فساد الأخلاق وضياع القيم، فلماذا؟ ! ! !
يأتي الجواب تلقائيا لأنهم يعرفون أن في فساد الأخلاق وضياع القيم تفتيت للروابط الاجتماعية كلها فتنتشر الرذائل التي تعجل بهدم كيان ذلك المجتمع الذي تنتشر فيه، حيث ينتشر الكذب والغش وقطع صلة الأرحام والعداوة والبغضاء والتهاجر وعدم الثقة بين الناس واختفاء الأمانة وانتشار الدعارة والفجور.. ومساوئ كثيرة هي أشبه ما تكون بالمسامير في النعش.
وتنتشر الرشوة بكل مظاهرها سرا وجهرا بين أصحاب النفوس الضعيفة فتضيع الحقوق وتختل موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالما وصاحب الحق يصبح معتديا وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ناهيك عن اختلاس الأموال العامة بمجرد الحصول عليها بأي سبيل إذ لا رادع يردعه عن ذلك.
كما ينشأ عن فساد الأخلاق الاحتكارات المحرمة شرعا والإثراء عن طريقها وكذا تهريب المخدرات للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق هو فساد الفضائل، قال شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
2- أدلة ومؤشرات الأخلاق:
المراد بها تلك الأمور الظاهرة التي تدل على وجود خلق معين أو تشير إلى وجود ذلك الخلق قطعاً أو ظناً.
(فليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل، إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل، وهو يبذل لباعث أو رياء) ([7]).
والمسلم مطلوب منه أن يبتعد عن الألفاظ والأعمال والمظاهر التي تؤدي إلى اتهامه بالخلق الهابط، كما جاء في بعض الآثار (من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن) ([8]).
وأبرز ما يدل على أخلاق الإنسان أربعة أمور:
الأول: الكلام:
فإن الإنسان صندوق مقفل فإذا تكلم أبان عما هو كامن داخل نفسه، ولذلك قيل في وصف اللسان بأنه (أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير...) ([9]).
وقد تعارف الناس على أن الألفاظ والعبارات التي يفوه بها الإنسان تدل على أخلاقه – غالباً – فإذا تكررت منه تلك الألفاظ ترجح أنه متصف بذلك الخلق الذي تدل عليه ألفاظه، فخلق الصدق يعرف بكلام صاحبه، وكذلك خلق الكذب والغيبة والنميمة.
وبذاءة اللسان تدل على الوقاحة، وحسن القول يدل على الحياء وعفة النفس، وهذا ما أشار إليه بعض العرب بقولهم: (إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسنة بالفروع)([10]).
ولولا أن اللسان معبر عن الأخلاق الكامنة لما أمر الله بإقامة الحد على القاذف، ولما أوجبت الشريعة تعزير شاهد الزور، ونحو ذلك من العقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على عمل اللسان، حتى قال بعض أهل العلم: (إذا أردت أن يُستدل على ما في القلوب فاستدل عليها بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى، قال يحيى بن معاذ: "القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها" فانظر الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك به مما في قلبه حلواً أو حامضاً وعذباً أو أجاجاً وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه، أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك) ([11]).

الثاني: السلوك العملي:
والمراد به الأعمال والتصرفات التي تجري من الإنسان، ودلالتها على الأخلاق بينة، فالإنفاق بسخاء دليل الكرم، والإمساك عن العطاء دليل البخل، والانفعال السريع دليل الغضب، ولين الجانب والأخذ بالأسهل دليل الرفق كما أن القسوة والشدة دليل العنف.
ويدخل في السلوك العملي جميع أعمال الجوارح كاليد بطشاً وكتابة وكذلك عمل القدمين والعين والبطن والفرج، ولا يستثني من الجوارح هنا إلا اللسان لاختصاصه الكبير في الدلالة على الأخلاق، ولكونه أسرع الجوارح حركة وأكثرها إبانة عن أخلاق صاحبه.
الرابع: الصاحب والصديق:
هذا مؤشر على أخلاق الشخص، إذ من المعلوم – في غالب الأحوال – أن الإنسان يصاحب من يناسبه في الطباع والأخلاق، أما الصداقة فلا تكون ولا تستمر في أكثر الأحوال إلا إذا توافقت أخلاق الطرفين وتشاكلت طباعهما، كما قال تعالى: ]قل كل يعمل على شاكلته[([12]).
أي كل أحد من الناس يصبو إلى ما يناسبه ويميل إلى من يماثله خلقاً وطبعاً، وكل امرئ يهفو إلى من يحبه، فالنفوس الزكية ذات الأخلاق المرضية تنجذب بذاتها وهمتها وأعمالها إلى أصحاب الصفات العلية، والنفوس السافلة تنجذب إلى من هو أدنى وأسفل، والواقع المحسوس يشهد بهذه الحقيقة، فصاحب النفس الشريفة لا يرضي من الأشياء والأحياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحسنها عاقبة، بعكس صاحب النفس الهابطة فإنه يحوم حول الهابطين ويجري مجراهم في البحث عن الأقذار الخلقية كالظلم والفواحش، وهذا شأن كل النفوس طيبة كانت أو خبيثة أن فيها ميلاً إلى ما يناسبها ويشاكلها، وتعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته([13]).
وفي هذا المعنى قالت الحكماء (الصاحب ساحب) و (قل لي من تصاحب أقل لك من أنت)، وقال شاعر:
وما الغي إلا أن تصاحب غاوياً
ولن يصحب الإنسان إلا نظيره


وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد
وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد([14])

وقال بعض العلماء: (إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده، لأن المرء على دين خليله، وطير السماء على أشكالها تقع، وما رأيت شيئاً أدل على شيء – ولا الدخان على النار – مثل الصاحب على الصاحب) ([15]).










الخاتمة :
الأخلاق هي عنوان أية أمة، وهي أساس الحضارة وقاعدة التنمية الإيجابية الشاملة، وركن السعادة الأخروية بعد الإيمان بالله تعالى، وهي الرابط الاجتماعي الحقيقي الذي تتحقق به الكثير من الأهداف العظيمة، والأدلة على هذا المعنى من القرآن والسنة كثيرة جداً وليس المقصود هنا سرد هذه الأدلة فكثير منها معروف مشهور، ولكن المقصود بهذا العنوان الإجابة عن سؤالين مهمين هما:
1- هل الأخلاق في ذاتها ثابتة أم نسبية؟
2- هل الأخلاق نفعية أم أصيلة لازمة في كل الأحوال؟
وتنبع أهمية هذين السؤالين من كونهما جزءاً أساسياً من أية نظرية أخلاقية، ويتبين ذلك – مثلاً – من خلال معرفة الفلسفة الغربية المتعلقة بالأخلاق.
السؤال الأول: متعلق بما يسميه الغرب وأتباعهم بنسبية الأخلاق، بمعنى أن الأخلاق الحسنة عندهم ليست ثابتة ولا مستمرة في كل الأحوال، فقد يكون خلق العدل – مثلاً – جيداً ومطلوباً في بعض الأحوال، ثم يمكن أن يصبح في أحوال أخرى سيئاً ومرفوضاً، فحسن العدل وقبحه متعلق بالأوضاع والظروف التي يطبق فيها، هذه هي النسبية الأخلاقية عندهم، ولذلك شاع في تعاملاتهم مع غيرهم ما يعرف اليوم بالمكاييل المزدوجة، وهو الموصوف في القرآن بـ (التطفيف) قال تعالى: ]ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون[([16]).
أما في الإسلام فإن الأخلاق في ذاتها ثابتة مستقرة، فخلق العدل محمود ومطلوب في كل حال ومع الصديق والعدو، ومع المحالف والمخالف، ومع القريب والبعيد، وخلق الظلم مذموم في كل حال، ولا يصح في الإسلام أن يكون العدل محموداً مرة ومذموماً مرة أخرى، وبهذا تتبين مكانة الأخلاق في الإسلام، ويتضح الفرق الكبير بين هدي الإسلام في الأخلاق والفلسفة المادية الجائرة المنحازة.










المراجع :
1-    كتاب الأخلاق - أحمد أمين – الموقع الالكتروني :
2-    الموقع الالكتروني :
3-    بحث بعنوان الاخلاق – على الموقع الالكرتوني :
https://faculty.kfupm.edu.sa



([1]) هذا تعريف تم وضعه منتخباً مع إضافات، وللمزيد انظر التعريفات للجرجاني ص 101، وعنه أخذ صاحب التوقيف على مهمات التعاريف 324، وفي الكليات ص 429، اعتبر الخلق السجية والطبع والمروءة والدين، وفي المفردات للراغب ص 158، الخلق: القوى والسجايا المدركة بالبصيرة.
([2]) المفردات للراغب 158.
([3]) صحيح الجامع الصغير رقم 2328.
([4]) كشف الخفاء للعجلوني 2/350.
([5]) الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية 1/300، وقال عنه إسناده ضعيف والصحيح وقفه، ومراده أنه لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويصح موقوفاً على عثمان رضي الله عنه.
([6]) بيت من معلقة زهير بن أبي سلمى.
([7]) التعريفات 101.
([8]) ذخيرة الحفاظ لابن القيسراني 2/932.
([9]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي ص 43.
([10]) جمهرة خطب العرب 3/291 ذكره الأصمعي عن بعض الأعراب.
([11]) الجواب الكافي لابن القيم ص 139.
([12]) الاسراء، 84.
([13]) أنظر زاد المعاد 4/196، وبدائع الفوائد 2/406، وعدة الصابرين 48، والفوائد 178 ومدارج السالكين 2/371.
([14]) روضة العقلاء 123.
([15]) المصدر السابق 108.
([16]) المطففين، 1-3.

بحث عن مَلَك حَفْنِي ناصِف باحثة البادية

  ادارة جنوب الاسماعيلية   بحث عن مَلَك حَفْنِي ناصِف   ( باحثة البادية )   حياتها ونشأتها : ولدت ملك حفني ناصف في القاهرة ي...