‏إظهار الرسائل ذات التسميات لقد رزء العالم الغربي والشرقي من تبعهم في أعز ما يجب الحفاظ عليه في السلوك وهي القيم والأخلاق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لقد رزء العالم الغربي والشرقي من تبعهم في أعز ما يجب الحفاظ عليه في السلوك وهي القيم والأخلاق. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 7 يناير 2020

فساد الاخلاق الفساد الاخلاقي اخلاق فساد


مقدمة :
لقد رزء العالم الغربي والشرقي من تبعهم في أعز ما يجب الحفاظ عليه في السلوك وهي القيم والأخلاق الطيبة التي ميز الله بها الإنسان عن الحيوانات، لقد كانت البشرية - فيما عرف من تاريخهم - في غاية الحفاظ على التمسك بالأخلاق والحشمة والحياء بل منذ أن طفق آدم وحواء عليهما السلام يخصفان عليهما من ورق الجنة والتمسك بالأخلاق الحسنة والبعد عن سيئها فطرة في النفوس حتى إذا اجتالت الشياطين من اجتالته من حثالة البشر فإذا بالأمر ينعكس تماما بعد أن انتكست أخلاقهم وفسدت فطرهم وتردوا في مهاوي الضلال وتنكروا للفضيلة بل رأوها عارا وتخلفا ورأوا الثياب التي هي زينة للإنسان كالريش للطائر، رأوها تأخرا، فنبذوها في مجامع عامة تسمى نوادي العراة حيث وصلوا فيها إلى ما لا تصل إليه الحيوانات، وصدق قول الله تعالى عليهم: أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179].

1- تعريف الأخلاق هي:
(صفة في النفس تظهر آثارها في الكلام والسلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة) ([1]).
شرح التعريف:
(صفة في النفس) المقصود بذلك أن الخلق عبارة عن أمر حسن أو قبيح كامن داخل النفس، تصدر عنه الأعمال والتصرفات بتلقائية ويسر من غير حاجة إلى تفكر وتأمل، فكأنه طبيعة وسجية، فمن يبذل المال بسماحة وعفوية يسمى كريماً، ومن يتجاوز عن المخطئ برفق ولطف فهو متصف بالحلم.
أما من يتكلف البذل والإنفاق أو المسامحة والعفو عند الغضب فلا يقال بأن خلقه السخاء أو الحلم.
وبهذا يظهر الفرق بين (الخلق) (والتخلق).
أما من يظهر منه الخلق أحياناً أو نادراً فلا يوصف بذلك الخلق كمن يصدر منه العدل في حالة عارضة.
و (التخلق) بالأخلاق الحسنة مطلوب، وقد يسمى (الخلاق) وهو (ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه) ([2])، وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على التخلق ليتعود الإنسان عليه ويرسخ في نفسه بكثرة التكرار، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه)([3]).
(تظهر آثارها) أي أن الأصل في الأخلاق أنها كامنة داخل النفس، ولا يعرف وجودها إلا بظهور آثارها، وفي الغالب أن الإنسان مهما حاول إخفاء أخلاقه الراسخة فيه فإنها تظهر، وخاصة في حالات الإلجاء والمزاحمة، كمن يبتلي بمن يغضبه وهو قادر على الانتقام والانتصار ومع ذلك يحلم ويتجاوز، وكمن يتهيأ له كسب محرم فإن كان عفيفاً ظهرت صفة القناعة فيه، وإن لم يكن كذلك ظهرت في تصرفاته صفة الجشع والحرص، وقد جاء في بعض الآثار (من أسر سريرة ألبسه الله رداءها) ([4])، ويروى عن عثمان رضي الله عنه قوله: (من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله منها رداء يعرف به) ([5]).
وقديماً قال الشاعر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة


وإن خالها تخفى على الناس تعلم([6])
(تظهر آثار الكلام والسلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة)
أي أن الأخلاق الكامنة في نفس الإنسان تعرف من خلال كلامه وتصرفاته والكلام والسلوك أدلة على الخلق الكامن أما هيئته الخارجية وأصحابه الذين يحب مجالستهم ويكثر من مخالطتهم فهي مؤشرات وقرائن تدل على وجود السجايا، وعلى ما ينطوي عليه الشخص من خلق حسن أو قبيح، وسيأتي بيان ذلك.

انتشار فساد الأخلاق والقيم
لقد تمالأ الشرق والغرب كلهم بقيادة اليهودية العالمية على إفساد أخلاق المسلمين ونشر الرذائل بينهم بكل وسيلة، وما أكثر تلك الوسائل التي دخلت كل بيت – إلا من رحم الله – امتلأت بها البيوت والأسواق والواجهات، فلا ترى أمامك ولا عن يمينك ولا عن يسارك إلا دعوة فاجرة وصورة ماجنة وفحشا ورذائل في تخطيط دقيق ودعايات براقة وزخرف من القول، ولك أن تعجب حينما تقرأ في أساطير الملاحدة أن الإنسان كان في بداية حياته عاريا لا يعرف اللباس ولا ستر العورة، ثم ترقى قليلا قليلا إلى أن عرف اللباس، وبعد فترة – ولحاجة في نفس يعقوب – عادوا ونادوا بأن ترك المرأة لباس الحشمة وخروجها شبه عارية أو عارية هو التقدم بعينه والرقي الحضاري، هكذا ودون إبداء أي تعليل لهذه النقلة الغربية، وأصبحت المرأة سلعة رخيصة للرجل يقضي منها حاجته متى أراد، وأصبحت هي عارية والرجل يلبس الثياب الفضفاضة وهي تعاني الحر والبرد في سائر جسمها – اللهم ما تستر به السبيلين – والرجل يلبس لكل حالة لبوسها في دعة وسكون.
وانتشرت محلات الخمور التي تزكم الأنوف تحت حماية القوانين الوضعية – وما دامت الخمر أم الخبائث فماذا تتوقع من وجود الخبائث التي شب عليها الصغير وشاب عليها الكبير، ولك أن تسأل عن عدد المجرمين وعدد المجانين والمعتوهين، وكم عددهم في المستشفيات وفي السجون، إنها أعداد تبعث الرعب والأسى على مستقبل هذه البشرية.
وانتشر الزنا بصورة تتنزه عنها الحيوانات، وظهر عالم من الأولاد غير الشرعيين، وبنيت بيوت الدعارة علنا وتحت حماية القانون، بل وصارت بعض الحكومات السافلة تطلب من الزانيات زكاة مال فروجهن من البغاء، ولم يسمعوا قول الشاعر:
ومطعمة الأيتام من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
ووجدت في بعض مطارات الدول الإسلامية العربية بطاقات لدعوة السياح إلى كيفية معاشرة الزانيات، ووجوب التأكد من صلاحية بطاقاتهن الشخصية خوفا من مرض الإيدز؟ ! !، وقد جاء في الحديث الشريف ما معناه أنه ما انتشر الزنا في قوم إلا سلط الله عليهم عقابا لم يكن في أسلافهم، وقد عرفنا هذا العقاب في زماننا إنه مرض نقص المناعة " الإيدز" الذي جعلهم يجرون جثث موتاهم إلى المقابر كل يوم دون أن يجدوا له الدواء المضاد، ولن يجدوا إن شاء الله إلى أن تتطهر الأرض من رجسهم رغم تبجحهم بأنهم وصلوا في القوة إلى حد أنهم يخلقون الخلق عن طريق التناسخ وإلى حد أنهم يستطيعون إجبار السحاب على إنزال ما به من المطر في المكان الذي يريدون.. إلى آخر غرورهم.
وانتشر الربا وعاد الناس إلى تطبيق العقيدة الجاهلية الأولى فيه حيث كانوا يقولون إنما البيع مثل الربا، فقامت البنوك الربوية الشاهقة البناء ونشطت الشركات في ابتلاع أموال الناس تحت مسميات مختلفة خادعة ودعايات براقة وصار من بقي فيه عرق ينبض ببقية خافتة من الخوف أو الحياء يسميه فائدة ليتحاشى تسميته ربا، مع أن هذه الحيلة قد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنها مبكرا حيث ذكر أنه سيأتي أقوام يستحلون الخمر والحرير والمعازف ويسمونها بغير اسمها  (1) ، وهذا هو الحاصل في زماننا، دخل إباحة الزنا تحت تسمية " الحرية الشخصية "، ودخل إباحة الربا تحت تسمية " الفائدة"، ودخل قتل كبار السن ومن لا يريدونه تحت تسمية " الموت الرحيم"، ودخل رفض الدين وتركه تحت تسمية " حرية الأديان " أو "حرية التدين"، ودخلت قلة الحياء ونبذ الحشمة تحت تسمية " التقدم" وترك الماضي، ودخلت أشياء وأشياء كثيرة لا تحصى تحت تسميات كاذبة وعناوين خادعة، ويا ويل البشرية من شر أشرارهم.
وانتشرت ظاهرة المساحيق والماكياجات التي أثقلت ظهور كثير من الرجال والنساء لتذهب فائدة قيمتها إلى بنوك اليهود، وغيروا خلق الله وغرروا ودلسوا واختفت حقائق كثيرة وظهرت أمور غريبة تنذر بشر مستطير ومصير مظلم لا يدري عاقبته إلا الله تعالى.
كما انتشرت ظواهر سيئة في جميع نواحي الحياة من غش وكذب وجشع لا حد له واستغلال القوي للضعيف، وماتت – أوفي طريقها – أخلاق وفضائل كانت عند الناس في قمة أولوياتهم، كفضيلة الكرم، والإيثار، والتواضع، والشهامة... وأخلاق كثيرة لم يعد لها وجود في أذهان كثير ممن مسخت فطرهم المذاهب الفكرية الضالة من اشتراكية ورأسمالية وعلمانية وغيرها من المذاهب المادية التي جنت على القائمين بها قبل غيرهم حينما جعلتهم يعيشون في فوضى وقلق واضطراب يصل إلى حد الجنون، لا يحسون بهدوء ولا راحة نفسية ولا عاطفة حب نحو الآخرين – غير المجاملات العابرة – وجوههم مقطبة، وأفكارهم شاردة، ولم يعد للرحمة تلك المكانة التي تبوأتها قبل ظهور قرن الشيطان فوق المذاهب الفكرية، ولم يعد للعدل والإنصاف أي مكان يحط رحاله فيه – إلا القليل – وذهب حتى ذكر أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة – وجاء الجيل الذي لا يأكل الوالد في مطعم ولده أو الولد في مطعم أبيه إلا بدفع القيمة نتيجة حتمية لإعراضهم عن هدي الله عز وجل واتباعهم لأهواء الضالين وقراصنة المال الذين لا يتكلمون إلا في المال، ولا يضحكون إلا للمال ولا يعملون إلا للمال، ولا يعطون شيئا إلا ليأخذوا ما هو أثمن منه، وحق للضعفاء والفقراء أن ينشدوا مع الشاعر قوله:
ذهب الذين إذا رأوني مقبلا            هشوا إليّ ورحبوا بالمقبل
 وبقيت في خلف كان حديثهم          ولغ الكلاب تهارشت في المنزل
      
إن من المؤسف والداعي للرثاء حال الذين يتهجمون على النظام الإسلامي في الأخلاق والسلوك العام والخاص، إننا نرثي لحال أولئك الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئا وهم يناصبونه العداء، نرثي لجهلهم ونرحم حالهم وشقاءهم.
ونكون أشد حزنا لحال من يدعي الإسلام وهو يحاربه ويتهجم على نظامه الاجتماعي عن جهل أو عن معرفة، فحينما نسمع من يدعي الإسلام ثم يقول عن قتل القاتل إنه وحشية، وعن قطع يد السارق إنه همجية، وعن عقوبة الزنا بقسميها أنه تدخل في الحرية الشخصية، وعن الحجاب أنه ظلم للمرأة وطمس لها، وعن الحشمة والعفة والوقار أنه من مخلفات الماضي البغيض المتخلف، وعن أشياء أخرى كثيرة حث الإسلام على التمسك بها أو الانتهاء عنها يقول عنها أنها غير صالحة في زماننا، أو أنها كانت لقوم مضوا وانتهوا وانتهت معهم تلك المفاهيم.
إن حال هذا المتحذلق يدعو للرثاء ولا حزن عليه، لأنه يعيش في دوامة مطبقة من الجهل، إنه بحق كما يقول المناطقة " حيوان ناطق " إنه يقلد ما يقوله أعداء الإسلام حرفيا كما تقلد الببغاء الأصوات التي تسمعها، وفوق ذلك يرى نفسه أنه متحضر ومتطور، وأنه بلغ السماء طولا والجبال ارتفاعا، ولا يدري أنه قزم حقير ضئيل على حد قول الشاعر:
مثل المعجب في إعجابــــــه            مثل الواقف في رأس الجبل
 ينظر الناس صغارا وهوفي                      أعينهم صغيرا لم يـــــــزل
      
وحينما ينبري بعض الكتاب السفهاء أو بعض الكاتبات السفيهات ليتباكوا على النظام الأخلاقي الذي أرشد إليه الإسلام بأنه غير حضاري، إنما هم أدوات في أيدي أعدائهم وأعداء دينهم، باعوا ضمائرهم بل ودينهم بثمن بخس وليس لهم عند الله – إن لم يتوبوا – من خلاق.
والذين يجتهدون في نشر الخلاعة والمجون في وسائط الإعلام المختلفة إنما هم عبيد لليهود وخدم لهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وحينما يدعون إلى تأخر الزواج بين الشباب والشابات إلى ما بعد فتور فوران الشهوة فيهم، وبالتالي يقدمون لهم كل وسائل الإغراء لاقتحام الشهوات الجنسية، إنما هم يطبقون جزءا من المخطط المرسوم لمحو الفضائل وإشاعة الفواحش، لأن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، لأن فطرهم انعكست وصار العالي سافلا والسافل عاليا في نظرهم.
والذين يدعون إلى تحديد النسل لئلا يحصل الانفجار السكاني بزعمهم، وبالتالي فلا يجدون لقمة العيش  (2) أو يدعون إلى الحد من الإنجاب محافظة على رشاقة المرأة وتألقها إنما هم مخادعون كاذبون ينفذون جزءا من المخطط اليهودي، إذ أن اليهود والنصارى يشجعون تكاثر النسل بينهم، وقد سمعت من إذاعة إسرائيل أنهم احتفوا واحتفلوا بامرأة أنجبت ثمانية أولاد وكرموها وأعطوها عدة جوائز.
ومثلهم دعاة منع الحمل بدون ضرورة أو الإجهاض بلا سبب أو الدعوة إلى خروج المرأة للعمل سافرة متبرجة مبدية زينتها لكل من هب ودب وتضحك مع هذا وتميل إلى هذا، وهذا يمدحها وهذا يضرب على كتفيها استحسانا لها أو لعملها وهي تمشي العنجهية مشية العسكري في طابور التدريب عارية أو شبه عارية.
وكذلك احتقار الحياة الأسرية والعيش مع الأولاد وتهوين الخيانات الزوجية، وما إلى ذلك من الرزايا التي وصل إليها دعاة الأفكار المنحطة التي غزت كل بيت في ديار المسلمين إن أخطأته واحدة أصابته الأخرى ولابد.
ومن الظلم الصارخ والغش المبين تشويههم لصورة الإسلام الناصعة، فقد ربطوا كل صورة من صور التأخر والتخلف الحضاري والمدني بالتمسك بالإسلام أو ترك مذاهبهم التي هي حبل النجاة بزعمهم، فربطوا كل صورة من صور التقدم والنهوض والعيش الرغيد بالتمسك بمذاهبهم وأفكارهم، وقد رأيت في بعض الاحتفالات ببعض الذكريات الخرافية أنهم يأتون بكلام عن الحضارة الغربية وتفوقها، وثم تأتي طائرات تهز الأرض ثم يخلفها رجل عربي يركب حمارا، وأحيانا يركب جملا وعليه أغراضه، ثم تتكرر مناظر كثيرة كأنها تقول انظروا إلى ما عندنا أيها المسلمون وانظروا إلى ما عندكم، وإذا جاز لنا أن نعذرهم لأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ[الأنفال:60] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف))  (3) ، وغير ذلك من النصوص التي يجهلونها، إذا جاز لنا أن نعذرهم، فبأي وجه نعذر من يدعي الإسلام ويقرأ تلك النصوص ثم يرجع باللائمة على الإسلام وتعاليمه وكأنه يقول لم يمنعنا من صناعة هذه الطائرات إلا أن نتخلى عن ديننا لنصبح أمة صناعية؟ ! !، أو نتخلى عن عاداتنا الشرقية – كما يسميها الغرب – أي نتخلى عن ديننا ونظامه في السلوك لنصبح في قمة التطور.. إنها أماني بلا برهان، وحجة العاجز الذليل، فهل الإسلام منعهم وأقام السدود والحواجز بينهم وبين أي مصدر فيه قوة المسلم أيا كان، أليس الإسلام قد دعا إلى القوة واعتزاز المسلم بدينه ويعمل يده واستغنائه عن غيره من المسلمين فضلا عن أعداء الإسلام ؟
لقد انصب اهتمام أعداء الإسلام، أعداء الأخلاق الفاضلة والسلوك الحسن على نشر فساد الأخلاق وضياع القيم، فلماذا؟ ! ! !
يأتي الجواب تلقائيا لأنهم يعرفون أن في فساد الأخلاق وضياع القيم تفتيت للروابط الاجتماعية كلها فتنتشر الرذائل التي تعجل بهدم كيان ذلك المجتمع الذي تنتشر فيه، حيث ينتشر الكذب والغش وقطع صلة الأرحام والعداوة والبغضاء والتهاجر وعدم الثقة بين الناس واختفاء الأمانة وانتشار الدعارة والفجور.. ومساوئ كثيرة هي أشبه ما تكون بالمسامير في النعش.
وتنتشر الرشوة بكل مظاهرها سرا وجهرا بين أصحاب النفوس الضعيفة فتضيع الحقوق وتختل موازين العدل بين الناس، ولهذا فسدت ضمائر كثير من الموظفين، فتجد المظلوم يصبح ظالما وصاحب الحق يصبح معتديا وباذل الرشوة يصبح صادقا محقا ناهيك عن اختلاس الأموال العامة بمجرد الحصول عليها بأي سبيل إذ لا رادع يردعه عن ذلك.
كما ينشأ عن فساد الأخلاق الاحتكارات المحرمة شرعا والإثراء عن طريقها وكذا تهريب المخدرات للحصول على المال من جهة، ولإفساد حياة المسلمين من جهة أخرى، لأن فساد الأخلاق هو فساد الفضائل، قال شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت      فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
2- أدلة ومؤشرات الأخلاق:
المراد بها تلك الأمور الظاهرة التي تدل على وجود خلق معين أو تشير إلى وجود ذلك الخلق قطعاً أو ظناً.
(فليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل، إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل، وهو يبذل لباعث أو رياء) ([7]).
والمسلم مطلوب منه أن يبتعد عن الألفاظ والأعمال والمظاهر التي تؤدي إلى اتهامه بالخلق الهابط، كما جاء في بعض الآثار (من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء به الظن) ([8]).
وأبرز ما يدل على أخلاق الإنسان أربعة أمور:
الأول: الكلام:
فإن الإنسان صندوق مقفل فإذا تكلم أبان عما هو كامن داخل نفسه، ولذلك قيل في وصف اللسان بأنه (أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير...) ([9]).
وقد تعارف الناس على أن الألفاظ والعبارات التي يفوه بها الإنسان تدل على أخلاقه – غالباً – فإذا تكررت منه تلك الألفاظ ترجح أنه متصف بذلك الخلق الذي تدل عليه ألفاظه، فخلق الصدق يعرف بكلام صاحبه، وكذلك خلق الكذب والغيبة والنميمة.
وبذاءة اللسان تدل على الوقاحة، وحسن القول يدل على الحياء وعفة النفس، وهذا ما أشار إليه بعض العرب بقولهم: (إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسنة بالفروع)([10]).
ولولا أن اللسان معبر عن الأخلاق الكامنة لما أمر الله بإقامة الحد على القاذف، ولما أوجبت الشريعة تعزير شاهد الزور، ونحو ذلك من العقوبات الدنيوية والأخروية المترتبة على عمل اللسان، حتى قال بعض أهل العلم: (إذا أردت أن يُستدل على ما في القلوب فاستدل عليها بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى، قال يحيى بن معاذ: "القلوب كالقدور تغلي بما فيها وألسنتها مغارفها" فانظر الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك به مما في قلبه حلواً أو حامضاً وعذباً أو أجاجاً وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه، أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتذوق ما في قلبه من لسانه، كما تذوق ما في القدر بلسانك) ([11]).

الثاني: السلوك العملي:
والمراد به الأعمال والتصرفات التي تجري من الإنسان، ودلالتها على الأخلاق بينة، فالإنفاق بسخاء دليل الكرم، والإمساك عن العطاء دليل البخل، والانفعال السريع دليل الغضب، ولين الجانب والأخذ بالأسهل دليل الرفق كما أن القسوة والشدة دليل العنف.
ويدخل في السلوك العملي جميع أعمال الجوارح كاليد بطشاً وكتابة وكذلك عمل القدمين والعين والبطن والفرج، ولا يستثني من الجوارح هنا إلا اللسان لاختصاصه الكبير في الدلالة على الأخلاق، ولكونه أسرع الجوارح حركة وأكثرها إبانة عن أخلاق صاحبه.
الرابع: الصاحب والصديق:
هذا مؤشر على أخلاق الشخص، إذ من المعلوم – في غالب الأحوال – أن الإنسان يصاحب من يناسبه في الطباع والأخلاق، أما الصداقة فلا تكون ولا تستمر في أكثر الأحوال إلا إذا توافقت أخلاق الطرفين وتشاكلت طباعهما، كما قال تعالى: ]قل كل يعمل على شاكلته[([12]).
أي كل أحد من الناس يصبو إلى ما يناسبه ويميل إلى من يماثله خلقاً وطبعاً، وكل امرئ يهفو إلى من يحبه، فالنفوس الزكية ذات الأخلاق المرضية تنجذب بذاتها وهمتها وأعمالها إلى أصحاب الصفات العلية، والنفوس السافلة تنجذب إلى من هو أدنى وأسفل، والواقع المحسوس يشهد بهذه الحقيقة، فصاحب النفس الشريفة لا يرضي من الأشياء والأحياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحسنها عاقبة، بعكس صاحب النفس الهابطة فإنه يحوم حول الهابطين ويجري مجراهم في البحث عن الأقذار الخلقية كالظلم والفواحش، وهذا شأن كل النفوس طيبة كانت أو خبيثة أن فيها ميلاً إلى ما يناسبها ويشاكلها، وتعمل على طريقته التي تناسب أخلاقه وطبيعته([13]).
وفي هذا المعنى قالت الحكماء (الصاحب ساحب) و (قل لي من تصاحب أقل لك من أنت)، وقال شاعر:
وما الغي إلا أن تصاحب غاوياً
ولن يصحب الإنسان إلا نظيره


وما الرشد إلا أن تصاحب من رشد
وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد([14])

وقال بعض العلماء: (إن من أعظم الدلائل على معرفة ما فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الاعتبار بمن يحادثه ويوده، لأن المرء على دين خليله، وطير السماء على أشكالها تقع، وما رأيت شيئاً أدل على شيء – ولا الدخان على النار – مثل الصاحب على الصاحب) ([15]).










الخاتمة :
الأخلاق هي عنوان أية أمة، وهي أساس الحضارة وقاعدة التنمية الإيجابية الشاملة، وركن السعادة الأخروية بعد الإيمان بالله تعالى، وهي الرابط الاجتماعي الحقيقي الذي تتحقق به الكثير من الأهداف العظيمة، والأدلة على هذا المعنى من القرآن والسنة كثيرة جداً وليس المقصود هنا سرد هذه الأدلة فكثير منها معروف مشهور، ولكن المقصود بهذا العنوان الإجابة عن سؤالين مهمين هما:
1- هل الأخلاق في ذاتها ثابتة أم نسبية؟
2- هل الأخلاق نفعية أم أصيلة لازمة في كل الأحوال؟
وتنبع أهمية هذين السؤالين من كونهما جزءاً أساسياً من أية نظرية أخلاقية، ويتبين ذلك – مثلاً – من خلال معرفة الفلسفة الغربية المتعلقة بالأخلاق.
السؤال الأول: متعلق بما يسميه الغرب وأتباعهم بنسبية الأخلاق، بمعنى أن الأخلاق الحسنة عندهم ليست ثابتة ولا مستمرة في كل الأحوال، فقد يكون خلق العدل – مثلاً – جيداً ومطلوباً في بعض الأحوال، ثم يمكن أن يصبح في أحوال أخرى سيئاً ومرفوضاً، فحسن العدل وقبحه متعلق بالأوضاع والظروف التي يطبق فيها، هذه هي النسبية الأخلاقية عندهم، ولذلك شاع في تعاملاتهم مع غيرهم ما يعرف اليوم بالمكاييل المزدوجة، وهو الموصوف في القرآن بـ (التطفيف) قال تعالى: ]ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون[([16]).
أما في الإسلام فإن الأخلاق في ذاتها ثابتة مستقرة، فخلق العدل محمود ومطلوب في كل حال ومع الصديق والعدو، ومع المحالف والمخالف، ومع القريب والبعيد، وخلق الظلم مذموم في كل حال، ولا يصح في الإسلام أن يكون العدل محموداً مرة ومذموماً مرة أخرى، وبهذا تتبين مكانة الأخلاق في الإسلام، ويتضح الفرق الكبير بين هدي الإسلام في الأخلاق والفلسفة المادية الجائرة المنحازة.










المراجع :
1-    كتاب الأخلاق - أحمد أمين – الموقع الالكتروني :
2-    الموقع الالكتروني :
3-    بحث بعنوان الاخلاق – على الموقع الالكرتوني :
https://faculty.kfupm.edu.sa



([1]) هذا تعريف تم وضعه منتخباً مع إضافات، وللمزيد انظر التعريفات للجرجاني ص 101، وعنه أخذ صاحب التوقيف على مهمات التعاريف 324، وفي الكليات ص 429، اعتبر الخلق السجية والطبع والمروءة والدين، وفي المفردات للراغب ص 158، الخلق: القوى والسجايا المدركة بالبصيرة.
([2]) المفردات للراغب 158.
([3]) صحيح الجامع الصغير رقم 2328.
([4]) كشف الخفاء للعجلوني 2/350.
([5]) الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية 1/300، وقال عنه إسناده ضعيف والصحيح وقفه، ومراده أنه لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، ويصح موقوفاً على عثمان رضي الله عنه.
([6]) بيت من معلقة زهير بن أبي سلمى.
([7]) التعريفات 101.
([8]) ذخيرة الحفاظ لابن القيسراني 2/932.
([9]) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء لابن حبان البستي ص 43.
([10]) جمهرة خطب العرب 3/291 ذكره الأصمعي عن بعض الأعراب.
([11]) الجواب الكافي لابن القيم ص 139.
([12]) الاسراء، 84.
([13]) أنظر زاد المعاد 4/196، وبدائع الفوائد 2/406، وعدة الصابرين 48، والفوائد 178 ومدارج السالكين 2/371.
([14]) روضة العقلاء 123.
([15]) المصدر السابق 108.
([16]) المطففين، 1-3.

بحث عن مَلَك حَفْنِي ناصِف باحثة البادية

  ادارة جنوب الاسماعيلية   بحث عن مَلَك حَفْنِي ناصِف   ( باحثة البادية )   حياتها ونشأتها : ولدت ملك حفني ناصف في القاهرة ي...