الحكم
و الأمثال:ـ
وهي
مرآة تنعكس عليها صورة الحياة الاجتماعية والسياسية والطبيعية، وهي تعبير يصدر عن
عامة الناس دون تكلف، ولهذا يتجه الباحثون عن طبائع الشعوب إلى دراسة أمثالها .
وربما كانت هذه وحدها التي وصلت إلينا كلها كما نطق بها أصحابها بلا تغيير أو تحريف
ولا زيادة أو نقص ؛ لما تمتاز به من تركيز بالغ وإيجاز شديد ، وقبول للحفظ والشيوع
على الألسنة في كل مناسبة ، وبذلك تكون اصح ما بقي من النصوص النثرية الجاهلية
وأقربها إلى أصولها الأولى ، وان كانت لا تقدم صورة كاملة عن النثر الجاهلي .
تعريفها:ـ الحكم والأمثال: جمل قصيرة
بليغة، خالية من الحشو، أوحت بها تجارب الحكماء والمعمرين في الحياة والعلاقات بين
الناس، وهي ثمار ناضجة من ثمرات الاختبار الطويل، والرأي المحكم.
وقد
اشتهر عند العرب في العصر الجاهلي طائفة من أولئك الحكماء، مثل: لقمان عاد وهو غير
لقمان الحكيم، المذكور في القرآن الكريم، وأكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، ولبيد بن
ربيعة. وبعض هؤلاء يُعدون في الخطباء، وحكام المنافرات أيضاً. ولا يكاد يوجد في العصر الجاهلي سيد، أو
شريف، أو خطيب مشهور إلا أضيفت إليه جملة من الحكم والأمثال.
الفرق
بين الحكمة والمثل:ـ
والفرق بين الحكمة والمثل، أن الحكمة قول
موجز جميل، يتضمن حُكماً صحيحاً مسلماً به. لأنه نابع من الواقع ومعاناة التجارب
في الحياة، مثل: «آخرُ الدواءِ الكيّ، وأولُ الشجرةِ النواةُ، وإنكَ لا تجني من
الشوكِ العنبَ...».
وأما المثل فهو - في أصله - قول يقترن بقصة أدت إليه، ثم يدخل في نطاق
الأمثال حين يستشهد به في مقامات مماثلة، وفي حالات مشابهة للحالة الأولى التي ورد
ذلك القول فيها. كما وتختلف الحكمة عن المثل في أنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من
الناس لها خبرتها وتجاربها وثقافتها، بعكس المثل الذي يصدر عن عامة الناس .
وقد دون العرب حكمهم وأمثالهم منذ أوائل
العصر الأموي، وهذا مما ساعد على حفظها وتواترها على الألسنة. وأكثر تلك الحكم والأمثال لا يعرف أصحابها أو
قائلوها، وقد سيقت بأسلوب سهل، لا أثر للصنعة الإنشائية فيه، وبعضها بل أكثرها،
يعد من الإنشاء الرفيع، والسبك الجيد. وكثير منها أشطار موزونة، ربما كانت مقتطعة
من أبيات كاملة، مثل: «رضيتُ من الغنيمةِ بالإيابِ» وهو عجز بيت لامرئ القيس . كما
لا تخلو صياغة بعض الحكم والأمثال أحياناً، من خروج على النظام اللغوي. كقولهم:
«مكرهٌ أخاكَ، لا بطلٌ » .
الخصائص
الفنية للأمثال والحكم:ـ
1-
إيجاز
اللفظ . 2- إصابة المعنى . 3- حُسن التشبيه . 4- جودة الكناية .
أسباب انتشار الحكم والأمثال وذيوعها في
الجاهلية :-
أ
- إنها بيئة فطرية تغلب فيها الأمية وتشتد الحاجة إلى التجارب المستخلصة بصورة أقوال
لها معنى صادق.
ب
- كذلك يرتبط المثل بحادثة أو حكاية تساعد على انتشاره.
ﺠ
- تصاغ الأمثال غالبا في عبارة حسنة، يظهر فيها دقة التشبيه بين مورد المثل
والمناسبة التي يتمثل به فيها وذلك ما يرضي
ذوق العربي .
د-
أما الحكم فشاعت على ألسنة العرب لاعتمادها على التجارب واستخلاص العظة من الحوادث
ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة.
نماذج
لأمثال العرب في الجاهلية :ـ
1- جزاءهُ جزاءَ سنمّار:
يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ بالإساءة إليه.
2- رَجعَ بخُفّي حُنين:
يضرب هذا المثل في الرجوع بالخيبة والفشل.
3-
وافقّ شنٌ طبقة: يضرب للمتوافقين في أمر معين .
4-
الصيفَ ضيّعتُ اللبنَ: يضرب لمن يضيع أمرا على نفسه
ثم يطلبه بعد فوات الأوان.
نماذج من حكم العرب في الجاهلية :ـ
1- مَصارعُ الرجالِ تحتَ بروقِ الطمع:
و فيها دعوة إلى القناعة فأن الطمع يقتل صاحبه.
2- رُبّ ملومٍ لا ذنبَ لهُ : وفيها
دعوة إلى التحقق من الأمر قبل توجيه اللوم للبريء.
3- أدبُ المرءِ خيرٌ مِنْ ذهبهِ :
معناها إن قيمة الإنسان بأدبه لا بماله.
4- مَنْ
فَسدتْ بطانتهُ كانَ كالغاصِ بالماء:
وهذه تدعو إلى حسن اختيار الأعوان .
من الأمثلة الشهيرة على أمثال العرب في
الجاهلية:
"لا يطاع لقصير أمر، ولأمر ما جمع قصير
أنفه" ـ " بيدي لا بيد عمرو".
قصة ثأر امرئ القيس لأبيه ومنها:
"ضيعني صغيراً وحملني ثأره كبيراً" ـ "لا صحو إليوم ولا سكر
غداً" ـ "اليوم خمر وغداً أمر".
جزاء سنمار: يضرب لمن يحسن في عمله فيكافأ
بالإساءة إليه.
رجع بخفي حنين: يضرب هذا المثل في الرجوع
بالخيبة والفشل.
إنك لا تجني من الشوك العنب: يضرب لمن يرجو
المعروف في غير أهله أو لمن يعمل الشر وينتظر من ورائه الخير.
ربما يستطيع المحققون بجهد أن يردوا بعض هذه
الأمثال لأصحابها ومبدعيها، فمن حكماء العرب عدد كبير قد اشتهر بابتكاره وإبداعه للأمثال،
بما فيها من عمق، وإيجاز، وسلاسة. يقول الجاحظ: "ومن الخطباء البلغاء والحكام
الرؤساء أكثم بن صيفي التميمي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطيعة، وعامر بن الظرب،
ولبيد بن ربيعة.
وأحكمهم أكثم بن صيفي التميمي، تدور علي
لسانه حكم وأمثال كثيرة. وهي تجري علي هذا النسق: "رب عجلة تهب ريثاً"،
"ادرعوا الليل فإن الليل أخفى للويل"، "المرء يعجز لا محالة"،
"لا جماعة لمن اختلف"، "لكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح،
فإنه كفى بالمشرفية واعظاً"، "أسرع العقوبات عقوبة البغي".
ولكن أمثال العرب لم تأت على مثل هذه الدرجة
من الرقي والانضباط الأسلوبي، مثل التي جاء بها أكثم، بل إن كثيراً من الأمثال
الجاهلية تخلو من التفنن التصويري، وهذا بطبيعة الأمثال فإنها ترد على الألسنة
عفوا ًوتأتي على ألسنة العامة لا محترفي الأدب. فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها
علي القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل:
"أعط القوس باريها" - بتسكين
الياء في باريها والأصل فتحها.
"أجناؤها أبناؤها" - جمع جان وبان
والقياس الصرفي جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع علي أفعال وهذا يثبت أن المثل لا
يتغير بل يجري كما جاء علي الألسنة وأن خالف النحو وقواعد التصريف. وبعض الأمثال
يغلب عليها الغموض وقد تدل تركيبتها على معنى لا تؤدي إليه الكلمات بذاتها، ومن
ذلك قول العرب: (بعين ما أرينك)؛ أي أسرع.
ولم يكن هذا النوع من الأمثال هو الوحيد بل
هناك أمثال صدرت عن شعراء مبدعين وخطباء مرموقين فجاءت راغبة الأسلوب متألقة بما
فيها من جماليات الفن والتصوير مثل: أي الرجال المهذب، فهذا المثل جزء من بيت
للنابغة يضرب مثلا لاستحالة الكمال البشرين. والبيت: ولست بمستبق أخا لا تلمه على
شعث. أي الرجال المهذب. ويصعب تمييز المثل الجاهلي عن الإسلامي. إلا بما يشير إليه
من حادث أو قصة أو خبر، يساعد على معرفته وتمييزه مثل: " ما يوم حليمة
سر"، وحليمة بنت ملك غسان. فهو في عصر الإسلام والمثل: "اليوم خمر وغدا
أمر". هو في العصر الجاهلي والأمثال ذات قالب ثابت البنية، إذ هو ذاته يستعمل
في كل الأحوال، وهي تنقسم إلى 03أقسام من حيث البناء ذات قالب بسيط: إنك لن تجني
من الشوك العنب. تاتي في قالب الصنعة اللفظية: من عز بز، عش رجباً ترى عجبا.
وبعضها يأتي في قالب منتهكا الترتيب النحوي: الصيف ضيعتِ اللبن.
أما أنواع المثل، فهي حقيقية أو فرضية
خيالية. "حقيقية: لها أصل، من حادثة واقعية، وقائلها معروف غالبا، فرضية: ما كانت
من تخيل أديب ووضعها عل لسان طائر أو حيوان أو جماد أو نبات أو ما شاكل ذلك،
والفرضية تساعد على النقد والتهكم ووسيلة ناجحة للوعظ والتهذيب. - بعض يمثل منهجا
معينا في الحياة كقولهم: إن الحديد بالحديد يٌِفًلح".
وبعضها ما يحمل توجيها خاصا كقولهم: قبل
الرماء تملأ الكنائن. و بعضها يبني علي ملاحظة مظاهر الطبيعة أو يرتبط بأشخاص
اشتهروا بصفات خاصة. أما من حيث اللغة فقد تستعمل الفصحى وهي عادة المثل الجاهلي،
وقد تستعمل اللهجة العامية، وقد تكون هجينة ما بين ألفاظ فصحى وأخرى دخيلة وتسمى
بالمولدة.
الحكم : الحكمة قول موجز مشهور صائب الفكرة، رائع
التعبير، يتضمن معنى مسلماً به، يهدف عادة إلى الخير والصواب، به تجربة إنسانية
عميقة.
من أسباب انتشار الحكمة اعتماد العرب على
التجارة واستخلاص العظة من الحوادث نفد البصية والتمكن من ناصية البلاغة. وكان من
أهم خصائصها ؛روعة التشبيه، وقوة اللفظ، ودقة التشبيه، وسلامة الفكرة مع الإنجاز.
·
أوجه الاختلاف بين المثل والحكمة:
تتفق الحكمة مع المثل في: الإيجاز، والصدق،
وقوة التعبير، وسلامة الفكرة.
·
تختلف الحكمة عن المثل في أمرين:
لا ترتبط في أساسها بحادثة أو قصة.
إنها تصدر غالبا عن طائفة خاصة من الناس لها
خبرتها وتجاربها وثقافتها.
·
أسباب انتشارها: قد شاعت الحكمة علي ألسنة
العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من
ناحية البلاغة.