المواصلات والتجارة عند المصريون القدماء
في البلاد التي
تتكون من الشواطئ الضيقة لنهر عظيم ، يؤلف هذا النهر الطرق الطبيعية لجميع
المواصلات وبخاصة إذا تعذر الانتقال في
هذه البلاد وأثناء جزء كبير من السنة كما هي الحال في مصر – لهذا كان المصري
القديم يعتبر نهر النيل وقنواته طرق
الموصلات الطبيعية في بلاده ، فبالسفن كانت تنقل جميع الأحمال ، وبالسفن
كانت تؤدي كل الرحلات وحتى تماثيل الالهه كانت تجوب بالبلاد ومواكبها على ظهور
السفن ، وإذ كيف كان يتسنى للإله الارتحال من مكان إلى مكان بغير سفينة ؟ وقد
كان هذا كله أمرا طبيعيا حتى إن اللغة لا تكاد تشتمل على كلمة تفيد " السفر
" وإذا لم تكن تعرف غير "
التصعيد مع النهر " و" الانحدار
مع النهر " فاستعملت الكلمة الأولى لكل سفر إلى الجنوب والثانية لكل سفر إلى الشمال – وحتى لو كان
الأمر لايعدو التجول في الصحراء . وفي هذه الظروف كان من الطبيعي إن تتقدم وسائل
السفر في النيل في وقت مبكر .
وأقدم ما تواتر
لنا عن السفن التي استخدمت في وادي النيل وهي تلك الزوارق الصغيرة من سيقان البردي
، إلى نظر إليها الإغريق بإعجاب كبير والتي مازال يستخدم مايشبها في السودان ، وهي
في الواقع لم تكن إلا مجرد أطواف ليست لها حافة وتتألف من حزم من عيدان البردي شد بعضها
إلى بعض وكانت في الوسط أغراض منها طرفيها – أما المؤخرة فكانت عالية ذات انحدار
شديد عادة في حين كانت المقدمة تنبسط فوق الماء . ولم يكن الأمر يحتاج في اصغر
الزوارق ، والتي لم تكن تسع أكثر من شخصين ، إلى طول عيدان البردي – أما الزوارق
الكبيرة ( ومنها ما كان يستطيع حمل ثور ) فكان لابد لها من عدة أطوال توصل معا
بمهارة كبيره وكان صنع هذه الزوارق ، وهو ما تعرضه صور الزمن القديم بكثرة يعتمد
بطبية الحال على إحكام شد عيدان البردي بأقصى ما يمكن ، وكانت تربط على مسافات
قصيرة بحبال مثلوثة لكي يتجنبوا ما ينجم عن الرطوبة ، المتسربة إلى مثل هذه
الزوارق من أضرار كان أرضها حصير سميك وبخاصة إذا أعدت لاستعمال احد الأشراف .
وكانت هذه القوارب من ذات الغور الضئيل في الماء تصلح
بدرجة طيبة لركوب الماء الضحل في المستنقعات ، وقد استخدمها دون سواها كل من يتصل
عمله بهذه المستنقعات كالرعاة والصيادين وصيادي الأسماك ، وفوق هذا كانت لصغيرها
وخفتها مما يمكن إجادة توجيها بسهولة ، وحيثما كان الماء في غاية الضحولة كان في
الإمكان حملها في يسر إلى حيث يعمق الماء ، ولم تكن لهذه الزوارق الصغيرة أشرعة
كما لم تكن تجري بالتجديف على النحو المعروف وإنما كانت تدفع إما بالمرادي ذات
الشوكتين من أسفل ليحسن غورها بهما في
الأرض ، وأما باستخدام مجاديف قصيرة عريضة الرأس ، كان يضرب بها سطح الماء بخفه ،
وهذه الطريقة من التجديف ، التي يتجه فيها نظر المجدف إلى ناحية المكان
المقصود ، والى مازال يستخدمها صيادو الأسماك
عندنا في الأنهار وكانت تكفي لإجراء هذه الزوارق من البردي وخاصة لأنها كانت تحمل دائما أثقالا خفيفة ، ولذلك
كانت تكفي اقل ضربة في الماء لحملها على سطح الماء الأملس .
إما سائر السفن
الكبيرة فقد كانت تصنع في الزمن القديم أيضا من الخشب ، وذلك بالرغم من سوء حالة الأخشاب
في مصر على نحو بينا في الفصل السابق . غير انه تحت ضغط الضرورة قد عرف المصريون أيضا
كيف يخرجون من هذه المادة السيئة ذا القيمة ، ويبدو واضحا إن صنع السفن قد تطور
تطورا عظيما أيضا صور مراكب طويلة مزوده بعدد كبير من المجاديف ، ( انظر شكل 241)
وهو يمثل ست سفن عظيمة كأشياء رئيسية بين صور غيرها ، حقا لقد مثلها الرسام بنهر
مجاديف ، وذلك لأنها ليست على سفر ،
ولكنها حسب اتساعها وشكلها لا يمكن إلا أن تكون سفنا من الخشب لا زوارق من البردي
مثلا .ولكل منها قمرتان مقدمها محلى بالأغصان وذلك على نحو المراكب المصورة على
الأواني الفخارية . وأننا نعرف في بعض الأحيان ، من الدولة القديمة ، شيئا عن سعة المراكب التي كانت
تستخدم لنقل الأحجار ، فنسمع مثلا عن " سفينة واسعة من خشب السنط طولها 60 ذراعا وعرضها 30 مترا
طولا و15 مترا عرضا وقد صنعت هذه تمثلها
صور الدولة القديمة ، على مدي نشاط المصرين في العمل وعلى تقدم فن صناعه السفن .
ونرى مراكب فجر
التاريخ والدولة القديمة تلك العلامة المميزة التي مازلت تتميز سفن النيل في الوقت
الحاضر ، وهر ارتفاع مؤخر السفينة فوق الماء ارتفاعا شديد الانحدار ، وليس من شك
في أن صناعة السفن على هذا النحو ترجع إلى أسباب عملية . فمن جهة كان من شان هذا
المؤخر في القوارب الصغير والزوارق من البردي التي لم تكن تجري بالمجداف العادي وإنما كانت تدفع
بالمردي أو بالمجداف الصغير ، أن تزود من يدفعها بدعامة أو سند جيد يدفعها منه . ومن جهة أخرى هو الغرض
الأساسي ، كانت هذه الطريقة في صناعة السفن تسير التخلص من الشواطئ باستمرار للنهر
المقدس ، إلى جعل السفن الكبيرة منها ذات غور ضئيل نسبيا .
وكانت مجاديف
السفن المصنوعة من الخشب أحيانا ، في الدولة القديمة ، ذات رؤوس ضيقة جدا ومدببة
من أعلى . وكانت تستخدم على نحو المجاديف في الوقت الحاضر تماما – وذلك على نقيض
طريقة استعمال مجاديف الزوارق من البردي – فكان المجدفون يجلسون ووجوههم نحو مؤخرة
السفينة يجوبون خلال الماء المقاوم لمجاديفهم المعلقة في عيون خاصة بها – ولتحاشي
ضياع المجاديف كان على كل منها يربط إلى المركب بحبل قصير ، أما عند عدم استخدامه
فقد كان يجذب من الماء ويربط بأحكام بحافة
السفينة .
ولم يكن للسفن في
الدولة القديمة سكان خاص (دفة ) وإنما كثيرا ما كانت تساس بمجاديف كبيرة ، ولم
يتقدم من تسير المراكب بالشراع كثيرا في الدولة القديمة فلم تكن السفن تزود بأكثر
من شراع واحد من الكتان وكان طويلا غير عريض ، ذا شكل مستطيل تجري وصلاته ( عروضه
) أفقية لا عمودية .
وكانت السارية (
الصاري) تتألف من ساقين ضعيفين نوعا ربطا معا عند طرفهما الأعلى وكانت معدة بحيث
يمكن أناختها إلى أسفل . وكان حبل قوي
يتجه من ذروة السارية إلى مقدم السفينة ويتجه حبل أخر إلى مؤخرها ، ولهما ما
يماثلهما في الوقت الحاضر ، والغرض منهما
حفظ السارية في مكانها – وفوق هذا كانت بعض حبال اقل متانة ، يختلف عددها من ستة إلى اثني عشر حبلا تصل بين الجزء الأعلى من السارية وبين الجزء الخلفي
من السفينة لتحول دون تقو ساق السارية
بفعل الرياح العاتية .
وفي اعلي السارية
عود مستعرض مثبت فيها ( القرية )كان يستطيع الملاحون تحريكه إلى اليمين ا والى
اليسار بوساطة حبلين يتجهان من طرفيه إلى الخلف ( الجزء الخلفي من السفينة ) وكان الشراع
يمتد إلى أسفل حتى سطح الفينة ، وكان على حجم كبير السفينة . فكانت السفينة التي
يبلغ طولها زهاء ستة عشر مترا وطول مجاديفها ثلاثة أمتار ومجاديفها الكبيرة التي كانت تؤدي عمل السكان
خمسة أمتار تقريبا ، تقريبا ، تذود بسارية طولها عشرة أمتار وقرية من ستة أمتار ،
وبذلك كانت مساحة شراعها بين ستين وسبعين مترا مربعا تقريبا . وكان إذا أريد عدم استخدام الشراع عند سكون الريح تنزع القرية
وتنزل السارية ثم تلفان بالشراع وتوضع كلها فوق ألقمره أو تعلق على قائم ذي شوكتين
.
وكما ذكرنا من قبل تميز صور الدولة القديمة بين أشكال
مختلفة من السفن ، ولذلك لا تتحدث نصوص ذلك العهد عن السفن بصفة عامة وإنما تفرق
بين " السفن العريضة والسفن التي تجر غيرها أو التي يجرها غيرها " إلى
غير ذلك – وسنقتصر فيما يلي الكلام عن أهم ما يلفت النظر من أنواع هذه السفن
القديمة .
ليس من شك في أن أفضل
وأسرع سفن الدولة القديمة كانت السفن الشراعية الطويلة المسطحة التي كان يستخدمها الأشراف
في رحلاتهم ، وقد كانت تبني من خشب اصفر فاقع اللون ، هو خشب الأرز ، وكانت تختلف
عن غيرها من السفن ومن حيث أن مقدمها ومؤخرها اقصر واقل انحدارا مما جرت به العادة ، وكثيرا ما كان هذان الجزءان
محليان بالزخارف رغبة في أبرازهما ، فكانا يلونان باللون الأزرق القائم أو قد
ينتهي مقدم برأس حيوان محوت دائما إلى
الخلف على خلاف أشكال الرءوس في السفن الحالية . وكان سطح السفينة يلون عادة
باللون الأسود مما يشير إلى انه كان يطلي بالقار ، وكانت تقوم علية ، من خلف
السارية ، " القمرة " . وكانت جدرانها من الحصير الذي أبدع نسجه أو من الكتان
الأبيض وكان من الممكن رفع بعضها أو ارفعها كلها . وكانت القمرة موئل
الشريف أثناء رحلته لأنه لم يكن يشترك في إدارة
السفينة . كذلك كان للملاح القابع على
مؤخر سطح " القمرة " وظيفته لها
مسؤوليتها إذ كان يقوم بالأشراف على
الشراع وتبليغ أوامر الربان إلى الملاحين
والقائمين على السكان ويصحب ذلك بأشرات وإيماءات قوية . وعلاوة على الشراع كان
لهذه السفن ، دائما تقريبا ، مجاديف أيضا
تبلغ في معظم الأحيان حوالي اثني عشر مجدافا على كل جانب . ويتبع عدد المجاديف
الكبيرة ، المستعملة كالدفة التي كانت تدار بها السفينة ، عدد مجاديفها فمان لكل
تسعة مجاديف على جانب واحد كبيران للإدارة
( دفتان ) ولكل أربعة عشر ثلاثة ، ولكل واحد وعشرين أربعة .
وتنتمي إلى هذا
النوع الفاخر من السفن – السفن الكبيرة ذات المجاديف ، فقد كان مقدمها ومؤخرها
مسطحين أيضا وكان لها " قمره " تشعل طول السفينة بأكمله تقريبا . ويظهر أن
هذه السفن لم تكن معدة لان تجري بالشراع ، إذا ليس للسارية مكان فيها نظرا لاتساع
" القمرة "
إما في سفن النقل الكبيرة
فقد كانت المساحات الحالية بها محدودة إذ كان يستفاد من كل بقعه مليها للشحن حتى
هذه انه لم يكن للمجدافين وللقائمين على
سوى إما كن غير مربحة وغير مناسبة ، وكانت
جوانب هذه السفن عالية حتى تسمح بأكبر فراغ مستطاع على سطح المركب . وفي وسط السفينة كانت تقوم " القمرة
" الكبيرة الرئيسية ومن خلفها مباشرة قمرة أخرى ينحدر سقفها إلى مؤخر السفينة
. ومع ذلك لم يكن بأن يكن يكتفي بأن تشغل هاتان القمرتان أربعة أخماس مسطح السفينة
دون المجدافين ، وإنما كان يؤخذ منهم أيضا الخمس للباقي فكان يستخدم عادة كمكان
لما يراد من الماشية ، لهذا كان المجدفون الذين يعملون في مثل مراكب النقل هذه
يضطرون إلى التوازن على الشرفة المقامة على مقدم السفينة في حين كان يضطر القائمان على السكان إلى إدارة مجدافهما من فوق
السطح المنحدر " القمرة" الخلفية .
إلى جانب سفن
النقل الحقيقية هذه استخدمت زوارق صغيرة خاصة ، يمكن للملاح واحد القيام بالتجديف
فيها والإدارة معا في وقت واحد ، لنقل الأثقال
الخفية أيضا ، وهذه القوارب كانت تتبع السفن الشراعية الكبيرة التي تحمل الشريف
وحاشيته فتكون كقوارب الزاد مثلا .

وإذا هبت ريح
معارضة أو إذا سكنت الريح تماما – كما يحدث في النيل كثيرا – فان الأمر كان يدعو
في حانة التيار القوي إلى الاعتماد على العمل الشاق وذلك بتعاون الأيدي العاملة
على جر السفينة وعلى طول الشاطئ لهذا يرى في معظم
الأحيان ، حتى في تراكب الصور القديمة ، قائم قوي في مقدم السفينة ، يمكن أن
يلف عليه الحبل الذي كان يجرها به العمال . وقد تعود المصريون الأقدمون وعلى هذه
الوسيلة المضنية في أسفارهم في النيل حتى أنهم لم يستطيعوا أن يتخيلوا أن الألهه
تستطيع السفر بغير هذه الوسيلة – فعلى حسب اعتقادهم كان لابد من جر سفينة اله
الشمس كل ليلة في العالم السفلى ، أما في النهار فكان يتيسر لها السير في محيط السماء بشراعتها ومجاديفها .
هذا ويظهر أن
السفن التي كانت تعد لنقل الأثقال العظيمة لم تكن تجري بالشراع أو بالمجاديف ، وإنما
كان يجرها الرجال أو سفن أخرى إذ كانت لثقلها لاتيسر لها الحركة المستقلة . ولم
يكن لمثل هذه السفينة التي تجر مقدم أو مؤخر خاص متميز ، ونما كان يقتصر على قائم
قصير منتصب ( عمودي ) وفي كل من طرفيها يمكن أن يلف عليه حبل الجر وكانت تحرك
بوساطة مجاديف طويلة كما كان الشأن في سائر سفن الدولة القديمة – ولقد كانت هذه
السفن المصورة كانت للملك أسوسي من الأسرة الخامسة وكانت تسمي " أسوسي قوي
" وهي تحمل في الصورة تابوتا وغطاء تابوت أهداهما الملك إلى احد أصفيائه ،
رئيس القضاة سنجيب .
وهذه السفن التي
تكلمنا عنها حتى ألان تنتمي كلها إلى الدولة القديمة انه يظن انه في الأزمة الأخيرة
الغامضة من عصر الدولة حدثت التحسينات في
سفن الدولة الوسطي التي تسمو بدرجة كبيرة على السفن السابقة .

فمن المجاديف الثقيلة التي كانت بها حركة السفن
في الدولة القديمة نشأ إذ ذلك " سكان " كبير حقيقي ، كان يسهل على
القائم علية إدارته بواسطة مقبض من الخشب أما القائمان اللذان كانا يقومان مقام
السارية فقد حل مكانهما عمود السارية وكان اقصر واثبت منهما وقد صار الشراع أيضا
اقصر واعرض مما كان عليه ن وأصبح له منذ ذلك الوقت أيضا عود في عرضه من أسفله –
ولم تعد القرية تثبت في ذروة الآرية أينما صارت تشد إليه بوساطة حلقة متحركة من
الحبل حتى يمكن رفعها وخفضها كلما أريد ذلك . وقد تحسن كذلك تزويد السفينة بالحبال
حتى أصبحت أيسر حركة مما كانت عليه في الدولة القديمة . وكان للسفن الكبيرة ذات
المجاديف نصيب من هذا التقدم كذلك . فأصبح لها " سكان " صحيح كان يحلى
عادة بشكل وريده . وكان الجدفون يجلسون
على مقاعد على طح السفينة في حين كانت
هناك " قمرة " جميلة يجدران من
الحصير الملون ذات نوافذ وسقف يتخلله الهواء ، وينعم فيها نساء وأولاد الشريف بطيب
والإقامة مدة السفر .
ولقد التزم المصري هذه المرحلة من التقدم زمنا طويلا
حتى أن ما أتت به الدولة الحديثة لا يعني شيئا ذا قيمة . واهمة زيادة عرض الشراع
زيادة غير عادية ، فقد كان الشراع سفن الدولة القديمة أكثر طولا منه عرضا بدرجه كبيره وفي
الدولة زاد عرضه قليلا على طوله ، إما في الدولة الحديثة فقد أصبح عرضه في بعض
الحالات بحيث لم يكن هناك عود يكفي طوله لان يصلح أن يكون " قرية " مما
اقتضي صنعها من عودين متصلين معا فمثلا كانت السفينة الكبيرة التي يبلغ طولها حوالي
16 مترا تتخذ في الدولة القديمة سارية
طولها 10 أمتار تقريبا وبذلك أصبحت ضعف طول
السارية – وقد اقتضت هذه القلاع العرضية زيادة حبال السفينة بطبيعة الحال .
ولكي تنظم هذه الحبال تنظمها حسنا زودت
السارية بصندوق مركب من عوارض خشبية
متباعدة ثبت في ذروتها .
وفي السفن الكبيرة ولا يفوته أن يسمع صوته . أما "
القمرة " نفسها فقد أصبحت أكثر ارتفاعا مما كانت عليه في الزمن القديم وكانت في مظهرها الخارجي أشبه بدار حقيقية ذات أبواب
ونوافذ وكانت تكوم على سقفها أمتعه الشريف وحتى مركبته كان يجب أن
تجد مكانا لها عليه أيضا لأنه بغير هذه الوسيلة المستحدثة من وسائل الانتقال لم
يكن الشريف ليقبل على السفر .

وقد امتد اثر امتد
الميل إلى الترف ن الذي يميز العصور التالية ، إلى زخرفة السفن الحال أيضا ، ففي
الدولة القديمة كانت سفينة سفر الأمير مجرد قارب بسيط ضيق حليته الوحيدة هي رأس
حيوان في مقدمته ، أما في الدولة الحديثة
فقد كان لابد من زخرفة سفينة الشريف على أترف شكل وبذلك أصبحت "
القمرة " كمنزل فخم يسقف أنيق ومدخل محل بالأعمدة وأصبحت جدران السفينة تتألق
بالألوان الزاهية . تحلى المناظر الكبيرة
جزءها الأمامي وأصبح مؤخر السفينة أشبه
بزهرة ضخمة من زهور اللوتس ، ورأس مجداف السكان كباقة من الأزهار . وصارت القلاع
في السفن التي كانت تنتمي للمعابد علي الأقل تتألف من أنفس الأقمشة ذات الأوان
الزاهية . ومن أحسن الأمثلة الدالة علي مدي ما صار إليه الترف في هذا الشأن ،
السفينة الملكية لتحتمس الثالث وقد كانت تسمي كما كان الأمر في الدولة القديمة
" نجمة القطرين " وهي بذلك حسب اسمها نفس السفينة الملكية التي كان يسافر
عليها الملك خوفو منذ خمسة عشر قرنا مضت ولكنها مع ذلك تبدو شيئا أخر يختلف كل
الاختلاف عما كانت عليه في الزمن القديم البسيط . فقد صارت القمرة بناء ذا باب
عظيم وجدران مغطاة بنسيج موشي وأصبح المكانان المسوران للقائم على السكان
والربان أشبة بمقصورتين يقوم إلى جانب
ثانيها تمثال في صدر السفينة يمثل ثورا ثائرا يدوس رجالا تحت اقدامة – رمز به إلى
" الثور المنتصر " وهو الملك .

على أن هذا الترف
قد وجد سبيله بطبيعة الحال إلى سفن الأشراف فقط ، أما النقل فقد ظلت في الدولة
الحديثة كما كانت في الزمن القديم دون زخرف أيضا ، ونما كانت تزود فقط بحظائر
مسورة بالأخشاب المتعارضة لماشية أو بغير ذلك من أحمال .
إلى جانب الرحلات
في النهر قام المصريون في وقت مبكر برحلات بحرية أيضا وابن كان ذلك إنما كان دائما
كان دائما بالقرب من الشاطئ ، وإننا من
الدولة القديمة نفسها يشأ عن نقل الجيش بالسفن إلى فلسطين ، كما نعرف أيضا عن شكل
هذه السفن وذلك من المناظر الكبيرة المنقوشة في المعبد الجنازي لسا حورع ، التي تمثل عودة أسطول مصري
من المياه الأسيوية ( شكل 248 ) إذ تحلي مقدم ومؤخر السفينة علامتا " الحياة
" وعين حورس وهما من العلامات التي تجلب الحظ والتفويق وعند دخول السفن إلى
الميناء طويت القلاع وأنزلت الساريات العظيمة وعلقت المجاديف ، وهي أخر ما استخدم إذ
ذلك ، في أماكنها في شرفة حافة السفينة وانتصب الجميع واقفين – الملاحون المصريون
ومن جلبوهم معهم من الأميين الاسيوين – رافعين أيديهم لتحية الملك الذي ينتظرهم
على الشاطئ ، وصاح ، في سرور بالغ ، وأولئك
الذين عادوا إلى وطنهم بعد غيبة طويلة :" المجد لك يا ساحورع ، مللك الأحياء
، إننا نري ثانية بهاءك " .

وبدل على قدم
رحلات المصرين إلى المدن الغنية على ساحل سوريا آمرا جدير بالاعتبار – فاللفظ الذي
استخدمته اللغة للسفن البحرية – تميزا لها عن السفن النيلية العادية – مشتق من اسم
مدينة جبيل " ببلوس " وكان ينطق " جبليا " على وجه التقريب إي
" المسافر إلى جبيل " وقد ذوي معناه في وقت مبكر جدا حتى انه استخدم أيضا
لسفينة كانت تبحر إلى بنت . أما في الدولة المتوسطة فلم تصل إلينا مناظر مماثلة ،
ومعبد الملكة حتشبسوت في الدير البحري هو أول ما تطالعنا فيه السفن البحرية نره أخرى
وذلك بمناسبة عرض الرحلة الشهيرة إلى بنت ، التي ستعود إلى الكلام عنها فيما
بعد . وكما ذكرنا من قبل كانت المواصلات
برا تقل في أهميتها كثيرا عن الموصلات في النهر ، إذ كان كل انتقال يؤدي في الواقع
عن طريق الماء ، ولم يكن الأمر يحتاج إلى وسائل انتقال أخرى إلا في المسافات
القصيرة غالبا فيما بين النيل والمكان المقصود – وقد كان الأشراف من الرجال
والنساء وفي الدولة القديمة يستخدمون نوعا من الحفات عبارة عن مقعد ، من فوقه في
بعض الأحيان " ظلة " يحمله من قضبانه الطويلة ستة أو أكثر من الخدم على أكتافهم
إلى الجانب يسير رجال يحملون مراوح طويلة يروحون بها على الشريف في حين يحمل غيرهم
من خلفه نعليه وسقاءه ( قربة ماء ) وغير ذلك – أما المذبة وقد كانت منذ أقدم الأزمنة
مما لا يستغني عنه الشريف في مصر إذا كان في الخلاء أو إذا جلس للطعام – فانه كان عادة يحملها هو نفسه
في يده ؛ وهي تتألف من عصا قد ربط لنجد أيضا في الدولة المتوسطة مثل هذه المحفات
وكانت جدرانها الجانبية تحلى كثيرا بالنقوش والصور غير انه لم يكن لها " ظلات
" ولذلك كان احد يحمل من وراء سيده مظلة كبيرة على شكل ترس كبير ؛ لم يكن
الغرض منها أن تظل السيد فحسب وإنما لتقيه أيضا من الريح العاتية التي تكثر في
الربيع – أما أفراد الشعب فقد استخدموا الحمار ، كما هو الأمر في الوقت الحاضر ،

كأحسن وسائل وسائل النقل – فهذا الحيوان الذي
لايكل والذي يستطيع السير على كل طريق يبدو كأنه في الواقع إنما خلق لظروف مصر
الخاصة – ومع ذلك فقد كان من الصعب استخدامه للركوب بمهارة تامة ، إذ لم يمثل
المصريون ركوبة إلا في حالات مفرده وذلك منذ الدولة المتوسطة فقط ومع هذا فقد كان
السفر برا يتيسر للشريف فيما يشبه المقعد
، قد احكم ربطه على ظهري حمارين كما نرى ذلك في صورة جميلة من عهد الدولة القديمة
( انظر شكل 249 ) .
وإذا كان يبدو انه
قد بطل استخدام هذا المقعد في الدولة الحديثة ، كما بطل استخدام المحفة – وابن
كانت قد ظلت تستخدم في مواكب الاحتفالات فقط ، فان ذلك يرجع إلى أنت المصرين قد عرفوا
في ذلك الوقت وسيلة للانتقال أفضل بكثير ، وهي المركبة التي تجرها الخيل – فهي عهد
تلك الانتقالات العظيمة للشعوب التي أدت إلى دخول الهكسوس مصر – يبدو أنت ذلك كان يتدخل جنس أري يسمي الحواريين cheurri
، كانوا يحتلون منطقة اعالى دجلة والفرات – ادخل الحصان ومعه المركبة إلى
منطقة غربي أسيا ومصر _ وقد لعب كلاهما دورا هاما لدي الملوك والأشراف على حد سواء
منذ بداية الأسرة الثامنة عشرة – فمن كان يستطيع أن يدعي لنفسه زوجا منها فقد كان
يزهو بما هذا الحيوان الجليل باستمرار .
وكان الكنعانيون
في الواقع هم واسطة ما استحدث من ذلك في مصر ، تدل على ذلك الألفاظ التي بدأت تظهر
في اللغة المصرية للحصان ولكلا شكلي المركبة اللذين سادا في الدولة الحديثة وهما
المركبة والعجلة .
ولا نعرف عن
العجلة إلا أنها كانت تجرها الثيران لنقل الزاد إلى عمال المناجم وعلى ذلك فقد
كانت نوعا من عربات النقل – أما المركبة فإننا نعرف عنها الكثير ، وكانت تستعمل
للسفر وللصيد في الصحراء وفي القتال – وقد كانت عبارة عن عربية صغيرة خفيفة للغابة
لاتسع أكثر من ثلاثة أشخاص واقفين ، وأننا عرف تفاصيلها بدقة لا عن طريق صورها العديدة
فحسب ولكن عن طريق ما حفظ لنا منها فعلا أيضا .
وكانت المركبة ( انظر الصورة في الصفحات 470 ، 472 ، 551 )
دائما ذات عجلتين فقط تصنعان بعناية من مختلف الأخشاب ، وكان لها أربعة أنصاف
محاور ، ومنذ النصف الثاني من الأسرة
الثامنة عشر صار لها ستة ، وكان قطبها ( الدنجل ) يحمل صندوق المركبة الذي
كان قليل الارتفاع ويشتمل على قاعدة ( أرضية ) يحيط بها من الأمام ومن الجانبين
جدران رفيعة من الجلد المشدود أو سياج ( درابزين ) خفيف من الخشب المقوس . إما
السلب ( العريش ) فكان مثبتا من طرفه الخلفي في هذه القاعدة وكان يربط مع
السياج بالسيور زيادة
في الاحتياط وفي قمته خشبة متعارضة ، عقف
طرفها لتثبيت فيهما جهاز فرس
المركبة ، وقد كان هذا الجهاز بسيطا للغاية . فلم يكن المصري يعرف استخدام
( العدة ) الخاصة بالحيوان في جر العربات وإنما كان يحيط صدر كل من الفرسين
يسير عريض يربط بالخشبة المتعارضة للسلب ، وبهذا فقط كان الفرسان يشدان العربة .
ولكي لايحتك هذا السير برقبة الفرس كانت
توضع تحته من الخلف قطعه عريضة من
الجلد ( الكفل ) يمر منها سير اقل عرضا يتصل باللب من تحت البطن ليمنع السير العريض من إن ينتقل من مكانه .
ولقيادة الخيل كانت تعمل الأعنة وكانت
تمضي فوق " عاقفة " في الكفل إلى الشكيمة وكانت طريقة ألحام الفرس هي نفس الطريقة الحالية الشائعة في كل
مكان ، ومنذ الأسرة التاسعة عشر كانت تستعمل أيضا الأغطية لعيون الخيل .
على هذا النحو
كانت تصنع سائر المركبات المصرية ، ولم يكن يختلف بعضها عن بعض إلا من حيث
ازدياد أو قلة فخامة جهازها – وفي كثير من
الأحيان كانت سيور جهاز الفرس وكذلك كساء الجلد لصندوق العربة بلون ارجواني كما
كان هذا الكساء يحلى بزخارف ومناظر مطبوعة
وكانت المركبة الملكية بطبيعة الحال تفوق غيرها
وجاهة وعظمة فكان لابد من تمويه سائر الأجزاء المعدنية فيها بالذهب ، وكانت الخيل تحمل ريشا
ملونا يستقر في بعض الأحيان في رؤوس صغيرة تمثل
رؤوس السابع ، وحتى مسهاز العجلة كان على أسير أسيوي . ومن الأمثلة الفاخرة
حقا المركبة المذهبة لتحتمس الرابع ( في
متحف القاهرة ألان ) التي وجد صندوقها
سليما في مقبرته ، وهو مغطي من الداخل والخارج بقماش الكتان والجص وقد صورت
المناظر البدعة التي لاتكاد تبرز إلا
قليلا . فعلى السطح الداخلي مثل الملك على هيئة أبي الهول يحميه حورس ويدوس أعداءه بأقدامه ، وعلى السطح
الخارجي ( شكل 195 ) مثل تحتمس في مركبه الحربية وسط اضطراب أعدائه بجندلهم بسهامه
أو يصرعهم بفأس الحرب .
وبدل هذا الإعداد الفخم وحده على عظيم تقدير
المصرين للمركبات والخيل في الدولة الحديثة وقد كان الفنان لا يجنح عن تصويرها كلما تسنى له ذلك وكان
وصفها وتجميدها من الموضوعات المحببة عند أدباء ذلك العصر . ولم تكن تخلو اسر الإشراف
من سائق مركبة وكانت وظيفة " السائق الأول
لجلالته " من الأهمية في البلاط بحيث
كان يشغلها حتى الأمراء وكانت تطلق أسماء لها رنين حلو على خيول الملك الخاصة ،
" حصانا جلالته الأولان العظيمان " وقد يسمي أيضا - " عنات
( إلهه الحرب ) راضية " وكما جسورا شديد الحماسة وكانت خيول رمسيس الثاني تحتاج في كبحها إلى ثلاث من
الخدم عدا السائق يمسكونها من لحامها
وكانت الخيول المصرية تمثل دائما وهي تشب أو تضرب الأرض بقوائمها في هياج وكان
المصريون يستخدمون الذكر من الخيل عادة إما الأنثى فكان استخدامها نادرا . وكانت
الخيول كمية اللون غالبا ، على إننا نجد
مرة زوجا من الخيل ذا لو ابيض جميل ويظهر أن
" الخصاء " لم يكن معروفا إذ ذلك
. وقد فضل الذين يؤثرون الحيوانات الهادئة استخدام البغال ، وأننا لنراها
ممثلة في صورة جميلة في إحدى مقابر طيبة أمام مركبة احد الأشراف وهو يشرف على
حقوله . وهي سهلة القيادة حتى انه يسوقنها صبى . ولم يستخدم الحصان في مصر القديمة
للركوب إلا في أحوال نادرة جدا ، إذ من النادر إن نجد صورة تمثل مصريا يمتطي ظهر
جواد ، وليس في سائر الآثار الأدبية للدولة الحديثة موضع واحد يتحدث على وجه
التحقيق عن فارس مصري . على انه من جهة على
انه من جهة أخرى كان المصريون في الدولة الحديثة يعرفون أن ركوب الخيل عادة اجنبية
، ويدل ذلك كثير من الصور المختلفة التي تمثل الاعداء الهاربين على ظهور
الجياد او التي تمثل الهه الحرب الاسيوية
كفارسة .
وقبل مغادرة هذا
الموضوع يجب ان نعرض لمسألة بحثت كثيرا
وهي عهد دخول الحمل الى مصر . من الممكن ايعتبر الان ، على وجه التحقيق ، ان هذا الحييوان ، الذي يتناوله موضوع هذا
الكتاب ، قهو لايظهر في اي صورة قبل العهد
اليوناني ، وحتى في عهد رمسيس الثالث فقد ذكر الحمار بجلاء على انه دابة
النقل في الصحراء وهو لا يظهر مطلقا كذلك بين جزية الشعوب الاجنبية
وقد كان من بينها حيونات غريبة كالنعام والزرافي والدببة – على انه من
ناحية اخرى يدل اناء من الحجر على شكل جمل بارك عثر عليه في مقبرة من مقابر فجر التاريخ . على ان هذا
الحيوان الذي اتخذه جيران مصر البدو في الصحراء لنقل اثقالهم ، لم يكن على الاقل مجهولا لدى المصرين
الاوائل .
ولقد كان من شان
هذه الوسائل المتقدمة للنقل ، التي تحدثنا عن تطورها فيما سلف ن ان تسهل الاتصال
كثيرا بين اجزاء البلاد ، ومع ذلك لاينبغي ان نعتقد ان ذلك الاتصال كان قويا
جدا ، وذلك لان طبيعة امتداد شكل مصر
وضيقها قد اوجدت بعدا كبيرا غير متناسب
بين كثير من البلدا فكانت المسافة بين
طيبة تبلغ 675 كيلومترا وبين طيبة حوالى 800 كيلومتر وبين اليفانتين وبلوزيوم اكثر
من الف كيلو متر ، ومعني هذا انها مسافات تعادل مابين برلين وميونخ وبين برلين
وبوزن ، وبين بحر البلطيق والبحر
الادرياتيكي .
حقا لقد كانت
المدن الرئيسيه في الممالك الاخري القديمة على مثل هذه الابعاد بعضها عن بعض ، غير ان هذه المدن يغيرها من جميع
جهاتها في حين ان المدن المصرية بطبيعته موقعها لم تكن تتصل الموصلات وقد كان
المصريون القدماء في الواقع على نحو المصرين المعاصرين يقتصرون في رحلاتهم على
الاقاليم المجاورة بصفة عامة .
على ان الاتصال عن طريق المكاتبات والرسائل كان اكثر
نشاطا ، وكان لذلك فائده مزدوجة بسبب تلك المسافات الشاسعة – ولقد بق ان تكلمنا عن
صيغ هذه الرسائل ( صفحة 426 وما بعدها )
التي كانت تعلم في المدارس على اعتبار انها من المعارف الضرورية جدا – واننا لنضيف
الى ذلك هنا ماتيسر معرفته عن طريق نقل
الرسائل . فإذا سمعنا مثلا ان شخصا ، بعد ان انتظر الرد على رسالته دون جدوى ، قد
كتب اخيرا الى صديقه بأنه يشك فيما اذا كان غلامة الذي ارسل معه الرالة ، قد وصل
فان هذا يعني ان المسألة تتعلق برسول خاص ارسل لغرض معين . ومع ذلك فقد تدل بعض
العبارت في الرسائل على انه كان هناك اتصال ثابت عن طريق ارسال الرسل بطريقة
منتظمة . فقد جاء في احدى الرسائل " اكتب الى عن طريق حاملي الرسائل الذين
يأتون من قبلك الى هنا ، واكتب الى عن حالتك وعن صحتك عن طريق كل من يأتي من قلبك
، لأني اود ان اسمع عن حالتك يوميا .... لان احدا ممن ترسلهم لم يات الى هنا
" وهذه الرسالة نفسها التي اخذت منها ، اذ يعتذر الكاتب للمرسل اليه على انه
ارسل خمسين رغيفا من الخبز فقط ، فقد ألقي الرسول بثلاثين رغيفا لكثرة ما كان
يحمله فضلا عن انه لم ينته في الوقت المناسب عن المساء الذي حضر فيه ولذلك
لايستطيع ان يعد له كل شئ على الوجه الصحيح .
وهذه الظروف نفسها
التي جعلت العلاقات الشخصية في مصر شاقه حالت بطبيعة الحال ايضا دون تقدم التجارة
. اذ لما كانت النصوص لاتتحدث مطلقا عن
التجارة ، ففي هذه دلالة اكيدة على ان التجارة في مصر القديمة لم تلعب دورا يذكر ،
ولابد انها كانت في جوهرها اشبه بما يجري من معاملات في أسواق مدن مصر في الوقت
الحاضر .
وتدل بوضوح الصور
النادرة في احدى مقابر سقارة كيف كان يجري الامر في احدى اسواق الدولة القديمة ،
وهي تمثل سوقا على نحو ما كان يمكن ان
تقوم في ضياع الشريف لخدمة ومزارعيه ، واننا لنري بائع السمك جالسا امام سلة من
الحلفاء وهو ينظف سمكة كبيرة ويساوم زبونته على ثمنها ، وهي تحمل في صندوق صغير
ماتقايض به عليها ، على انها هي ايضا لسنة
، وان كان حديثها الطويل قد تلف نصه بحيث لايفهم منه شئ الان – والى جانب هذه
المجموعه بائع اخر يعرض مروخا ( دهانا )
او ما يشبه ذلك ، تعرض له فيه امرأة
اناءين صغيرين - وبائع اخر يبيع
" كعكا حلوا " غير ان القلاده ،
التي تقدم له من اجل كعكة تبدو له غير كافية ، ولذلك يحصل عليها على زوج من
النعال اذ يقول له الشاري " هاك (
ايضا ) زوجا من النعال متينا ! " وبذلك تنسى المساومة . وعند بائع الخضر يبدو ان الامر لم ينته تماما الى الاتفاق اذ يريد مشتري ان
يشتري خضرا بزوج من القلائد فيقول له البائع " دعني ار ، اعط الثمن ( المناسب
) !" وفي الوقت نفسه يأتي شار اخر يرجو شراء مايحتاجه من البصل بمروحه ومكنسة
على ان الامر لايقتصر هنا على تداول المأكولات فقط ، وانما يجلس القرفصاء
احد الباعه امام سفطه وفيه حلى من اللون الاحمر ولازرق ، ويساوم امرأة تريد
ان تبتاع إحدى هذه القطع البراقة والى
جانبها صانع الاشصاص يحاول ان يبيع بضاعة احد الرجال .

ولم تختلف الدولة
المتوسطه بمحض الصدفة شيئا من مثل هذه الصور ، على ان لدينا من الدولة الحديثة كثيرا من صور امثال
هذه المعاملات المحدوده ، كانت تحدث كثيرا في المواني بالقرب من السفن الكبيرة ،
التي كانت تجلب السلع من الخارج الى مصر مثال ذلك ماتعرضه مقبرة خاع ام حت ، الذي
ذكر اسمة كثيرا من قبل والذي كان "
القيم على شون الغلال " في عهد امنوفيس الثالث . فقد رست في ميناء طيبة السفن
الكبيرة التي جلبت مؤونة الحبوب للدولة ، وبينما يعمل معظم الملاحين على تفريغ
شحنها يتسلل البعض الى البائعين الذين يجلسون القرفصاء على الشاطئ امام قدورهم
وسلالهم يبيعون الاطعمة المختلفه ، اما ما
يدفعة الملاحون فيها فيظن انه الحب الذي اخذوه اجرا لهم مما تحملة السفن ، وهناك
صورة من هذا القبيل ذات جمال خاص ترجع الى مقبرة اخرى في جبانة طيبة ، وهي تمثل
اسطولا بأكمله من السفن الاسيوية يرسون في المناء فتدلى مراق ( سلالم ) شديدة
الانحدار فهبط الاشخاص الى البر حيث يستقر عدد من البائغين – رجلان وامراة – في
انتظار الاجانب المغرمين

بالشراء وتتدلىمن
سقوف حوانيهم البدائية مختلف انواع السلع التي من شأنها ان تجذب المشترين ، وبخاصة
الكتان المصري الابيض وبعضه محلى بالاهداب
، ثم النعال من الجلد الملون باللون الابيض والاشخاص (؟) وانواع شئ من السلع
الاخرى – وعلى موائد منخفضة امام البائعين نشرت المأكولات والنعال وغيرها – وبينها
لايزال اثنان منهم يجلسان كل بمفرده ، اذ ينشط العمل في الحانوت الثالث ، فتري تاجرا
سوريا يرتدي لباسا فاخرا ، يتبعه ثلاثة خدم يحملون سلعا مختلفة . ويبدو انه قد أتي
على محتويات اناء كبير فاذا بالتاجر المصري ينحني الى الامام على معده في حماسة
حتي ليكاد ينكب على وجهه وهو يمسك في يسراه ميزانا – وهو اداة هامة تطلعنا به
الدولة الحديثة تخلو منه الصور المماثلة في الازمنة الابقه ، وبهذا الميزان يستخدم
للتأكد من وزن السلع ، وعلى ذلك لم تعد السلع تتبادل جزافا او حسب عادة لا تعتبر ،
وانما اصبح يدفع فيها الثمن المستحق . ومع دفع الاثمان على نحو مايعرف الان ، على
انع كانت هناك وحده قيميه تنسب اليها السلع
، كل على انفراد . وكانت تستخدم كوحدة قيمة ، قطعة من النحاس هي " الدبن
" تزن 91 جراما . ويرى القارئ من قائمة الحساب الواردة في صفحة 122 كيف كانت
قطعة النحاس هذه تستخدم اساسا في تقدير الاثمان – وهاك مثلا اخر يبين طريقة
سداد ثمن شراء ثور . لقد كان كل مايجب دفعه ثمنا له هو 1120 " دبنا " من
النحاس – على انه لم يدفع من هذه القيمة كلها " دبن " واحد من النحاس
وانما عرض في سبيل ذلك عصا مرصعه قومت بما
يساوي 10 " دبن " الى غير ذلك . على انه يلاحظ ان بعض هذه العروض (
وسائل الدافع ) ترد مراد في قوائم الحساب المختلفه ، ومن امثلة ذلك انواع كثيرة من
العصي . وكذلك ، على ما يبدو ، اصناف مختلفة من الورق . ولسوء الحظ لا نعرف معاني
معظم الالفاظ الوارده في قوائم الحساب ولذلك لابد ان نتخلى عن الثور حسب النص سالف
الذاكر بما يساوي 120 " دبنا " فقد ورد على لحاف في برلين ان ثمن حمار
هو "40 " دبنا ، وعلى ذلك كانت القيمة النسبية بين الثور والحمار كنسبة
ثلاثة الى واحد .
على ان المصريين
عرفوا كيف يباشرون اعمالا تجارية معقدة بهذه الطريقة البدائية في المعاملات
والدافع الخاصة بالعصور القديمة ، وتدل على ذلك عقود " حب زفي "الهامة
التي سبق ذكرها غير مرة ، فقد اراد هذا الامير ، الذي تولى حكم اسيوط في عهد الدولة المتوسطه ، ان يقد كهنة مقاطعته
التقدمات الجنازية له على الدوام – على ان يعوضهم بطبيعة الحال مايتكلفونه في سبيل
ذلك ولو انه كان في ظروف اكثر تقدما لمنح
المعبد غاية في القلة – وزلك على نحو ماجرت به العادة في القرون الوسطى وما به
الان في مايوقف على اداء " القداس " لارواح الموتي ولكنه لحا الى زسيلة
اخرى . فقد تنازل لبعضهم عن بعض حقولة اذ احد كهنة انوبيس مثلا قطعة من الارض نظير
توريده ثلاث ذبالات ( مشاعل ) سنويا . على انه منح معظمهم انصبة من
ايراداته وذلك مثل بواكير محاصيله او افخاذ الثيران مما كان يخصه وخلفاءه من
الضحايا – ومع هذا فقد اثر ان يدفع ن مخصصاته ، التي كان هذه الرواتب التي تتكون
من مختلف الاطعمة ، لا يمكن ان ينالها اشخاص ليست لهم صلة بالمعبد ، لذلك كان لابد
له من ان يلجأ الى تحويلها اذا اراد ان يستعملها في مكافأة هؤلاء الاشخاص فعرض على زملائه في المعبد تنازله عن
" ايام المعبد " نظير وتوريد 2200 رغيف ، 22 قدرا من الجعه للاشخاص
الذين يريد مكافأتهم . وبذلك حول دخله من المعبد ، وقد كان غير صالح للمقاصة ، الى
خبيز وجعه امكنه منحهما لاي شخص .
واذا كانت التجارة
الداخلية لم تزدهر ازدهارا كبيرا على مايظ فقد كان للتجارة مع الخارج عصورها
الزاهرة واننا لنستعرض فيما يلى كيف تطورت الصلات السليمة بين مصر وجارائها وتأثير
ذلك على سكانها كانت بلاد النوبه اسهل
البلاد التي يمكن الوصول إليها من مصر ، على انها لقلة خصبها لم تبلغ مرحلة معينة
من التقدم الا في الازمنة الماخرة وتحت
تأثير السيادة المصرية ، وقد كان يسكنها في الزمن القديم جنس اسمر داكن من
ذوي القربي للمصرين اطلقو عليه اقامتة تمتد الى ابعاد سحيقة في السودان ، وهو اصل
النوبيين الحالين – على ان المصرين اطلقو عليه وعلى سائر الشعوب الاخري التي تقطن
الجنوب " النحسى " فكانت الحدود السياسية بين مصر وبلاد النوبة تقع حسب
الظروف الطبيعيه ، عند الشلال الاول حيث كانت في جزيرة اليفانتين ، السوق التي كان
النوبيون يتبادلون فيها منتجات بلادهم والسلع التي كانو يحصلون عليها من القبائل
الجنوبية مع المنتجات المصرية ، وكان يرسل منها الى مصر الى جانب جلود الفهود
والقرده وخشب الابنوس ، العاج بصفه خاصة ويشهد بأهميتة هذا التبادل التجاري اسمها
كلا مديني الحدود " ابو " ( إلفانتين ) ، و " سونت " ( " سين " وهي اسوان الحالية )
ومعناهما العاج والتجارة .
وكانت لمصر في
الدولة القديمة سيادة ، على نحو ما ، على عدد من القبائل الجنوبية المتاخمة ، ففي
عهد بيي الاول كان على القبائل النوبية ارزت ومزا ويام وراوات وكاوا (؟) – وكذلك بلاد الليبين تازعام تزويد الجيش
المصري بالفرق المساعدة . وفي عهد هذا لملك استخدمت فرق للعسس ( بوليسية ) من رجال
القبائل الثلاث الاولى من القبائل النوبية المذكورة – وفي عهد خلفه من نوع ورد
امراء بلاد ارزت ويام خشب السنط الى
الفانتين لبناء . على انه من جهة اخرى تحدثنا النصوص التي امدتنا بهذه الحقائق ان
بعثة كبيرة ارسلها مرنرع الى محاجر اسوان فصحبها سفينة حربية واحده ، وهي
تبرز هذا بجلاء كأنه لم يسمع به من قبل –
ومعنى هذا ان المصرين لم يكونوا امنين تماما عند الحدود من الهجمات المفاجئه . على
ان مرنرع عرف كيف يعمل على تقوية هيبة ملك مصر في هذه الانحاء بوسيلة فعالة اذ
يحدثهنا نص منقوش جنوبي الشلال الاول بأنه في الشهر العاشر من السنه الخامسة من
حكمه ظهر المللك بشخصه عند حدود بلاد الجنوب
وان " رؤساء مزا وارزات قبلوا
الارض امامهم وانه مجدوه كثيرا " .
وفي المقابر
الصخرية لامراء الفانتين التي تشرف من الشاطئ الغربي ، على مجرى النيل وعلى
الجزيرة ، نقوش تتيح لما ان ننفذ بأصرنا
الى نشاط هؤلاء الرجال الابطال ، الذين كانوا اول من جاب اواسط افريقيا في التاريخ
– فيحدثنا حرخوف مثلا ، الذي تولى حكم الفانتين في عهد مرترع وخلفه تحت اشرافه
وانه عاد منها بكنوز ثمينة – وفي الرحلة
الثمينة اشرف عليها بمفرده على نحو ماحدث في الرحلات التالية ووصل " عن طريق
الفانتين " الى " يام " وقد جلب معه ، بعد غياب قمانية اشهر ،
" هدايا عظيمة كثيرة " ، " لم يسبق ان جلب مثلها الى هذه البلاد ؛
وقد رجعت من منطقتة ( ؟ ) اكيري سزو وارزت
وذلك بعد ان ارتدت هذه البلاد ولم يفعل هذا اي سير ( الملك) او اي قيم على الادلاء
ممن رحلو قبلى الى " يام " على انه اكثر استضافه في الكلام على رحلته
الثالثة . ، فقد رحل هذه المرة " عن طريق الواحات " الى " يام
" غير انهوجد امير هذه البلاد غائبا
في حملة حربية " ضد بلادالليبين ، حتى الركن الغربي للسماء " ، ويتابع
حرخوف حديثة قائلا . " لقد تبعته الي
بلاد الليبين وهدأت غضبة الى ان مجد الالهه جميعا من اجل املك " وبينما هو عائد
الى وطنه ومعه 300 حمار " محملة
بالبخور والابنوس والطب والحبوب (؟ )
وجلود الفهود ( ؟) وانياب الفيلة وعصي
الرماية ( ؟ ) وسائر الذخائر الثمينة
" اذ قابل فيما بين ارزت وسزت زعيم ارزت وسزت ووراوات ،
وقد جمع قواته ليقطع على المصري الجرئ طريق عودته الى بلاده ولكنه " عندما
رأى قوة فرقة يام وكثرة عددها " وهي التي استصحبها خرخوف معه لتكون دريئه
لجندة اهداء " هذا الزعيم الماشية والماعر " وصاحبه بنفسه في الطرق
الجبليه في ارزت . وقد ارسل الملك الى ذلك لتوفق العائد الى وطنه " المشرف
على قاعة الاستحمام " سفينة تحمل الاطعمه المصرية الشبيه " كنبيذ البلح
والكعك ( ؟) والخبز والجعة " لاستقباله ومع هذا فقد ظلت الفانتين نفسها زمنا
طويلا ملكا لامراء نوبيين اتخذوا المظهر المصري فقط باعتبارهم خاضعين وموظفين
لفرعون مصر . وتدل احدى مقابر الدولة المتوسطة فيها على ان الحاكم حتى في ذلك
الوقت كان نوبيا ذا لون اسمر داكن تحيط به حاشية مصرية .
ولقد قدر
للمولك الاسرة الثانية عشر العظام التوغل
في بلاد النوبة وفتح جزئها الشمالي للحضارة المصرية ؛ فقد اخضع سنوسرت الاول بلاد
الجنوب حتى " طرف الارض " وكا هدفه الاساسي الوصول الى مناجم الذهب في صحراء بلاد النوبة ، ولاول مرة مره نسمع في
عهده عن " كوش البائسة " اي بلاد
النوبة الجنوبية – ومع ذلك لم يستطع الاحتفاظ الا بالجزء الشمالى من
فتوحاته وهي بلاد واوات وقد شيد فيها استطاع ان يثبت الحدود الجنوبية بالقرب من
سمنه الحالية وان يفخر بأنه " مد حدوده الى ابعد من حدود ابائه وانه زاد فيما
ورثه " . وفي السنه الثامنة من حكمه اقام نصبا عند الحدود " حتى
لايتعداها اي نوى سواء عن طريق الماء او الارض وسواء بالسفن او مع قطعان النوبيين
" اما النوبيون الذين كانو كان يأتون كرسل او الذين يقصدون سوق " اكن
" ( لابد انها محطة الحدود ) فهؤلاء وحدهم هم الذين كان يباح هم المرور ولكن
في غير سفنهم .
وبينما كان هذا
الملك منصرفا الى تنظيم علاقات سلمية على الحدود اذ تعرضت سيادته على هذا الجزء من
البلاد ، مرة اخرى ، لما يهددها . لذلك اضطر بعد ثماني سنوات الى الذهاب الى ميدان
القتال من جديد وان الطريقه الطنانه الرهيبه التي يتم عنها اعلانه انصارة للاجيال التاليةه
على نصيب الحدود الذي اقيم اذ ذلك لتدل
دلالة كافية على حسن ادراكة انه بأنتصاره الثاني هذا قد ختم فتوحاتة ووطد سيادتة .
" ولقد رأهم
جلالتي ، وليس كذبا اني سببت نساءهم واسرت رجالهم لقد صعدت الى ابارهم ، وقمعت ثيرانهم ، واتلفت حبوبهم ، واشعلت فيها
النار ( اقسم ) وحياة ابأي اني اقول الحقيقة " ، ويزيد الملك على ذلك فيلح
على خلفائه بالاستمساك بما استولى عليه من املاك اذ يقول : " اباه ( اي يشبه حورس ) والذي يحافظ على حدود من
انسله . اما الذي يتركها تضيع ولا يحارب
من اجلها فهو ليس ابي وليس بولدي " وقد زود الحصن الذي اقامة على الحدود
بمعبد صغير ومما يدل على حسن ياسته انه هذا المعبد ، قبل كل شئ الى الاله النوبي
القديم ددون ثم الاله المصري خنوم ولعبادة الملك نفسه .
وقد اقيم ايضا على
الحدود للملك يوحى الحشية والرهبة وليكون دائما امام اعين المهزومين – وظلت هذه
الولاية الجديده تابعة لمصر في الاجيال التالية مباشرة دون ان يجرؤ احد على
الاعتداء عليها ، واستطاع خلفاء ذلك الفاتح تسجيل ارتفاع النيل في وقت الفيضان عند
حدود بلادهم الجنوبية على صخور مراء محمرة من الحجر الرملى عند سمنه . وفي الاثار
النوبية في متحف برلين توجد الان علامتان من هذا القبيل لتسجيل مستوى ارتفاع الماء
ويدل مكانهما على ان مستوى النيل في ذلك الوقت كان يعملو مستواه الحالى بنحو
ثمانية امتار .
وفي عهد الاضطراب
مدة حكم الهكسوس لابد ان فقدت مصر مرة
اخرى سيادتها على بلاد النوبة ، وذلك لأنه
يبدو ان الملكين الاولين من ملوك الدولة الحديثة اضطرا الى القتال بالقرب من
الحدود المصرية . على ان تحتم الاول توغل من جديد الى مسافة بعيده نحو الجنوب
واستولى احد خلفائه على ناباتا ، الواقعه عند جبل برقل الحالى . جنوبي اسوان بنحو 600 كيلو متر – وقد اصبحت منذ ذلك
الوقت الحد الجنوبي للمملكه المصرية ومكان
تبادل التجارة مع السودان والاحل الجنوبي للبحر الاحمر مما كان يزيد في
اهميتها على الدوام . ومنذ ذلك الوقت ظلت بلاد النوبة او كوش كما كان يسميها المصريون ، خمسة قرون تحت السياده
المصرية ، واذا كان الامر لم يخل من حرب في هذه المده فقد كانت محرد مناوشات مع
بدو الصحراء او حرب على اقصى حدود البلاد ، فقد كان الوادي الطويل من اسوان الى ما
بعد جبل برقل ملكا لفراعنة مصر لاينازعهم
فيه احد . ومع ذلك لم تصبح بلاد النوبة جزءا اساسيا من المملكة المصرية فقد ظلت
دائما تحت ادارة ولاة من قبل ملوك مصر كانوا يلقبون بلقب " الابن الملك لبلاد النوبة والقيم على
البلاد الجنوبية " ( وايضا " على بلاد الذهب " ) . وبينما كانت
بلاد النوبة بأكملها واجزاء الودان المتاحه
لها من ناحية الجنوب تقطنها في الدولة القديمة والدولة المتوسطة قبائل حامية ذات صلة بالمصرين
على نحو ما اسلفنا ، فقد قابلت الجيوش المصرية في تقدمها جنوبا الى ما بعد الشلال
الرابع في بداية الاسرة الثامنة عشر شعوبا زنجية ، تركت مواطنها في الجنوب واخذت
تتوغل باستمرار ناحية الشمال وقد خضعت بورها للمصرين وراحت تمتزج بالسكان النوبيين
باطراد .
وتمثل نقوش الاسرة
الثامنة عشر ( انظر لوحة 39-2 ) والصورة
الكبيرة للمعارك الحربية في معابد
الاسرتين التاسعه عشر والعشرين هؤلاء الزنوج كبرابرة يكادون يكونون عراة . وقد
اغرم الفنانون المصريون بتصوير وجوههم الفظه واعضائهم الطويلة القبيحة في صور
هزلية يحرفونها الى اشكال حيوانية وفي الصور الى خلفاء حايا والى النوبة ، في
مقبرتة ، في عهد توت عتخ امون ترى كيف " انه اتى من بلاد النوبة بهذه الجزبة
الحميلة ، صفوة منتجات سائر البلاد الجنوبية "

وكيف انه يقدمها
مع من يحملها من " عظماءبلاد النوبة " الى الملك هذا ويلاحظ ان العناصر
الحامية في الرعايا النوبيين تقل بدرجة كبيرة عن العناصر الزنجية الاصلية – الى
جانب ذلك يشاهد ان العناصر الاخيرة اتخذت المظهر المصري بدرجة قوية اذ لايرتدي
منهم نقبة ابائهم القديمة من الجلد وى
اربعة ، وحتى هؤلاء قد زينوها بقطعة
امامية بيضاء – اما سائر من عداهم فيرتدون الملاب المصرية وبعضها
من احدث طراز . ولولا انت لون البشرة والملامح الزنجية تدل على اصل هؤلاء
" العظماء " لامكن اعتبارهم من ناحية المظهر رجال بلاط من حاشية ملك مصر
وخاصة وان احدى السيدات النوبيات تركب عربة صنعت على نق طراز المركبة المصرية
السورية تماما ، وان كان يبدو غريبا انها ابدلت الخيل بزوج من الثيران .
ومن بين الهدايا
التي يجلبها هؤلاء النوبيون وتعتبر ذات اهمية خاصة التحف التي تمثل احد المناظر
الطبيعية في بلاد النوبة فوق مائدة مغطاة بجلود الفهود والمنسوجات الثمينة –
فالاكواخ المرتفعة من الصب ، ذات الشكل المخروطي ، والزرافي واشجار الدوم التي
تلعب على اغصائها القردة – كل هذا يعطي صورة شببيهة بماا يرى في الوقت الحاضر في
اعالى النيل . على انه يلاحظ ان هذه القرية هية لاحدى القبائل الحامية لانه بينما
صور افراد السمر يعتدون الى الملك وهم جائون اذ مثل الزنوج السود – على شكل يرثي
له وهم منبطحون على الارض ، او استعلمت
رؤسهم حلية وزخرفا للأخواخ – على انه من المشكوك فيه كثيرا ان هذه التحف التي
جلبها النوبيون كانت حقا من منتجات الفن النوبي ذلك لان ما كانت تجلبة الشعوب
الجنوبية كهدايا لملك مصر سواء في هذه الحالة او في غيرها انما كان من المنتجات
الطبيعية لبلادهم كالذهب على شكل حلقات او قضبان او في اكياس ، والاحجار الثمينة
والعاج وجلود الفهود وريش النعام وبيض
النعام والقردة والفهود والزرافى والكلاب والماشية - واقصى ما يمكن الذهب اليه هو اعتبار تحلية
الماشية كتزيين اطراف قرونها بما يمثل رءوسا وايديا انسانية . واحد هذه الماشية يحمل فوق رأسه صورة
كاملة لمنظر طبيعي – من عمل الفن النوبي . اما القطع الفنية الاخرى التي يقدمها
الامراء النوبيون تحت قيادة حايا وهي المركبة الذهبية والاثاث الجميل من الابنوس والادوات الفاخرة من المعدن فهي نوبية حسب
مادتها فقط . وفي الواقع لاتكاد تتحدث
النصوص مطلقا عن مصنوعات تلك القبائل
في حين انها تذكر كثيرا منتجات شعوب سوريا التي غزت مص في عهد الدولة
الحديثة بمصنوعاتها .
ولم يقلد الرعايا
النوبيون اسيادهم المصريين في ملابسهم فحسب وانما اخذوا عنهم اشاء اخرى هامة ،
ربما كان منها ايضا اللغه والكتابة ، على انه من المحقق انهم اخذو عنهم ديانتهم اذ لما بنى سنوسرت
الثالث هيكلا في حصنه الذي شيده على
الحدود وجعل إلهه الرئيي الاله النوبي ددون ، الا ان العباده والطقوس التى قررها له كانت على النق المصري . واصبح
الاله الاجنبي على اهون سبيل في عداد الالهه المصرية . وقد استأنف ملوك الاسرة
الثامنة عشر مجهودات سلفهم العظيم ففي " قمة " تجاه سمنه ، حيث كان نوسرت الثالث قد اقام ايضا
هيكلا صغيرا له وللاله خنوم ، عمد تحتمس الاول والثاني الى توسيع هذا الهيكل الى
معبد ، اتم تحتمس الثالث - وقد جدد تحتمس
الثالث ايضا معبد سمنه وقرر من جديد ، بناء على ما اترحه عليه والى ( محافظ )
النوبة ، الاوقاف من الحبوب والملابس والماشية التي كان قد اوقفها سنوسرت الثالث
على ايام اعياد ذلك المعبد - الى الشمال
من ذلك بالقرب من عمدا Amada
بني هيكلا للاله حرماخس – وعلى الجانب الغربي من وادي حلفا بالقرب من بوهن Bohen شيد هو وحتشبسوت معبدا فخما ، في حين ان الحاكم " نجي " امر بحفر
مغار في الليسيا Ellessiie لالهة شمال بلاد النوبة التي على شكل حورس –
والى الجنوب شيد خذا الملك مبان اخرى ، وذلك على جزيرة اروناتي Uronarti ( معبدا لاله
الحرب منتو ) وبالقرب من ساي sai وعند جبل دوشي
وفي جهات اخرى . وقد لتبع امنوفيس الثالث العادة التي بداها سنوسرت الثالث
والتي جعلت من فرعون مصر إلها يعبده الرعايا فبني لعبادتة معبدا في صولب soleb ولعبادة زوجتة
في معبدا اخر في سدنجا sedeinga ولم يغفل ايضا عن
بناء معابد لالة مصر العظيمة في بلاد
النوبة وفي عهد الاسرة الثامنة عشر – فمثلا كانت ناباتا تسمى في عهد توت عنخ امون
" عرش القطرين " اى على نحو ما كان يسمى معبد الكرنك – على ان رمسيس
الثاني كان اول من قام بالغمل المنظم في ادخال هؤلاء الالهة في بلاد النوبة وذلك
عندما قام بتشييد المعابد الصخرية
الضخمة في ابي سنبل وجروف حسين
وادي السبوعه والدور للالهة امون وبتاح ورع اي لالهة طيبة ومنف وهليوبوليس ، ولما قد اتخذت الطابع المصري تماما وكان في
تزويدا بما يحاكي مباني المدن الدينية الرئيسية في مصر ختام طبعها رسميا بالطابع
المصري .
و في الواقع لقد
اصبحت " كويش البائسة " بعد بضعة قرون اكثر مصرية من مصر نفسها حتى احست
بأنها بنقاوة معتقداتها القومية اسمى من الوطن الاصلى لالهتها ، الذي افسدت ديانته
التأثرات السامية والليبية .
ويتقدم طبع بلاد
النوبة بالطابع المصري اخذت ادارتها تفقد طابعها الاشتثنائي وان كانت ادارة
ولايتها قد بقيت على ما كانت علية من قبل
– وقد ظل يتولاها شخص مستقل يحمل لقب " الابن الملكي لبلاد النوبة "
واننا لنستطيع ان نلقي النظر على هذه الادارة في ازمنة مختلفة ، ويبدو انها اتخذت
في كل زممن شكلا مغامرا ، ففي اواخر الاسرة الثامنة عشر عين الملك توت عنخ امون
" حايا " الذي سبق ذكره كثيرا واليا على بلاد النوبة . وقد حدث هذا التعيين في حفل في معبد امون في طيبة ( فقد ذكر ان
" امون استقبله " ) حيث ناوله صاحب بيت المال " الخاتم
الذهبي لوظيفتة " وذلك كرمز لمرتبته
. وكانت منطقة سلطته تمتد من " نخن " الى مدينة عرش القطرين او كما قيل
ايضا الى بلاد " كر " اى من الكاب
الى ناباتا . ولما وصل حايا الى مركز سلطنة استقبله فيها كبار موظفي بلاد النوبة وفي مقدمتهم
" وكيل حاكم بلاد النوبة " و " قيم " ولايته ، ثم اميرا الحصنين المصريين
" المتألق بالحق " ( وهي
صلوب ) و " رضوان الالهة
" وكذلك " وكيل حاكم "
الحصن الثاني وكاهنان كانا يعملان في هذا
الحصن – وتحت اشراف هؤلاء الموظفين كان لا
يزال يحكم ، وذلك في بلاد النوبة الشمالية ، امراء صغار وطنيون ، خاضعون للمصرين لم يكن لهم من الامر في بلادهم اكثر مما
لمهرجانات الهند تحت السلطنة الانجليزية . على انه لابد ان كان امير ابريم
يعتبر مناصرا بدرجة كبيرة ، لانه كان يلقب نفسة " الحاكم الطيب " .
وبعد اجيال قليله
نجد " الابن الملكي لبلاد النوبة " محاط بموظفين اخرين تختلف اعمالهم
عما كان عليه الامر من قبل ، منهم الكتبة وكتبة الجند وكتبة السون ( مخازن الغلال
وغيرهم ) – ولم يعد هناك ذكر للحصون وانما " للمدن " التي كانت اشراف "
اليم على مدن بلاد النوبة " – ولعله اكثر من ذلك دلالة ان بلاد النوبة اصبح
لها دار للقضاء ، وذلك لان حاكمها كان يسمى نفسه في عهد رمسيس الثاني " قيم
الدار العظيمة ( اي دار العدالة ، انظر
صفحة 138 ) في الحق ورئيس القضاة لبلاد النوبة الشمالية " .
اما عن حالة بلاد
النوبة حوالى نهاية الاسرة العشرين فتكشف
عنها في عنية على مسافة غير بعيدة من الدر
، وقد دفن فيها بنني penni
وكان يتولى ادارة ابريم بصفته " وكيل
الحاكم " وكان ابناؤه يعملون في مناصب ذا كفاية كما كانت بناته يقمن
بعمل " المغنيات " في معابد الذهب . اما هو نفسه فقد كان موظفا ذا كفاية
كما كان مخلصا للملك ، فقد نشر السلام في
مناطق الذهب في صحراء النوبة " واخضع قبائل الزنوج ( ؟ ) وبلاد اكابتي وقادهم جميعا كأسلاي امام الملك " الى جانب هذا فقد اقام لمنطقته تمثالا للملك
يمثلةفي شعاره القديم وعلى رأسة التاج الازرق وفي يديه صولجانان ، وقد قررت لهذا التمثال ولتمثالي كانا في حوزة
الكاهن " امن – ام – اب " ووكيل الحاكم
" مرى " الهدايا العظيمة
من الحقول لتقدم لها منها القرابين في كل وقت – وقد كرمة الملك على حس تصرفه هذا
بهدية نفيسة فأرسل له صحفتين من الفضة مملؤتين بدهان ( مروخ ) " كمى " الثمن
. وابريم هذه التى جرى فيها هذا كله على الطريق المصرية البحتة ، هي نفسها
التي كان لها منذ قرنين او ثلاثة قرون مضت " حاكم طيب " نوبي كمارأينا
من قبل .
من هذا كله نري ان
المصريين قد وقفوا حقيقة في بلاد النوبة الة تحضير البلاد الهمجية تدريجيا حتى لو
كان ذلك من الناحية الشكلية ز وهذه البلاد هي البلاد الوحيدة التي يمكن ان يقال
عنها ذلك اذ كانت الشعوب الاخرى ذات الحضارة المنحطة ، التي اتصل بها المصريون ،
اما من البدو ، او كانت تقطن على مسافات بعيده لم تكن تسمح بنشوء علاقات قوية جدا
. وهذه الحالة الاخيرة تتفق بصفة خاصة مع بلاد البخور على البحر الاحمر وهي ما
نجعلها كلامنا الان .
كانت الارض
المقدسة وبلاد بنت يعتبران عند المصرين نذ اقدم الموطن الاصلى للبخور وغيرة من
الاشياء الثمينة – على انه لم تكن ترتبط بهذين الاسمين فكرة او تصورات واضحة وانما
كانا لفظين عامين على نحو ما تخلقه التجارة من الفاظ مثل كلمة " لقانت "
اي الشرق وما يماثلها في الوقت الحاضر .
وقد كان المقصود
من الارض المقدسة في الاصل الشرق فقط حيث كان يظهر الاله ، وهو رع ، كل يوم ، وكان
هذا التعبير يدل ايضا في الحياة اليومية على الصحراء الجبليه بين النيل والبحر
الاحمر وشبة جزيرة سينا وكذلك على وجه التحقيق الجزء الشمالى والمتوسط من بلاد العرب . اما " بنت " فكان
المقصود بها البلاد الساحلية للبحر الاحمر في المنطقة الاستوائية وخاصة ساحل بلاد
الصومال .
وقد اتصل المصريون
في وقت بالارض المقدسة لانه كانت تقع فيها محاجر الحمامات كما كان يخترقها الطريق
الى البحر الاحمر الى مناجم سينا وبلاد البخور ويظهر انه في عهد الدولة القديمة
حيث كان مقر الحكومة في الشمال على مسافة غير بعيدة من القاهرة الحالية كان الطريق
الى البحر الاحمر يبدأ من العاصمة مباشرة ويتجه نحو الشرق الى منطقة الويس الحالية
. على انه منذ ملوك الاسرة الحادية عشرة
الذين اتخذو مقر حكمهم في طيبة القصر الحالى ، الذي يبدو انه لم يتغير منه الا بدايته
ونهايته – في مصر القديمة وكذالك في العهد اليوناني كان المسافرون
يبدأون رحلتهم من قفط اما في العصور
الوسطى فكانو يبدأونها من المدينة
المجاورة قوص ، اما الان فقد اصبحت مدينة
قنا هي بداية هذه القوافل . وبينما ينتهي الطريق الان عند ميناء القصير ، كانت
" الميناء البيضاء " في العهد اليوناناي هي نهاية الرحلة . اما في الزمن
القديم كانت نهاية الطريق تقع ( على الاقل في وقت ما ) في وادي جاسوس wadi gasus شمال القيصر بعض الشئ ، وذلك في
مكان كان يسمى " ساو " . وقد اقام المصريون هناك حصنا ليحمي هذا
المركز الهام من البرابرة وشيد معبدا صغيرا حيث كان المسافرون يلجأون الى الحامي
فيب صحراء الارض المقدسة ، وهو الاله مين إله قفط .
وفي نصوص الدولة القديمة ورد ذكر الرحلات الى
بنت في بعض الاحيان كما كان لاهل بنت دور بارز بين الاسرى الذين تقودهم الالهة
مصفدين الى الملك ساحورع ( شكل 256 ولوحة
42-1 ) ومع ذلك فأقدم ما وصلنا من تقارير مفصلة عن الرحلات الى الارض
المقدسة يرجع الى الاسرة الحادية عشرة ففي عهد المللك منتو حتب الذي حفر بئرا في
الحمامات والذي " فجر الماء من الجبال ، التي كانت بعيده عن الانسان " ،
وبذلك " فتح طريق السفر " سار
الضابط سعنخ الى جبال الحمامات وهو يقص علينا ذلك فيقول " لقد حولت
وديانة الى حدائق خضراء غناء ومرتفعاته الى حياض من الماء وزودته باولاددي (؟) على
امتداد سعته ، جنوبا حتى ارضى تاغاو ، وشمالا حتى منعات خوخفو . ووصلت حتى البحر
الاحمر وصدت الطيون وصدت الغزلان ( ؟ )
لقد اتيت هذه الصحراء كرجل ذي ستين عاما ( مع ) 70 ولدا نشأوا
من ( امرأة ) واحدة وقد صنعت كل ما كان صالحا من اجل الملك ".

ولا يقل عن ذلك اهمية النص الذي نقشة في الحمامات ، في
عهد الملك سعنخ كارع منوحتب " رئيس
بيت المال حنو ، صاحب الامر في الصحراء ، العظيم في الجبال ، الذي يرضى القطرين من اجل الملك ،
كثيرأ ، والمحبوب كثيرا ، وهو يحدثنا على النحو التالي " بعثى جلالته لأجهز
سفن ببلوس الى بنت ، لحلب بخور جديد من الامراء في الارض الحمراء ، وذلك لان البلاد الاجنبية تخشاه .
وقد خرجت من قفط في الطريق الذي امرني به
جلالته . مع فرق من البلاد الجنوبية ....... ومهدوا الطرق من امامي واخضعوا سائر من كان يضمر العداء للملك ......
ولقد خرجت مع جيش من 3000 رجل " وقد مر على اماكن مختلفة نجهلها في الوقت
الحاضر وكان كل شئ منظما لدرجة كبيرة بحيث استطاع حنو ان يعطي كلا من رجاله قدرين من الماء وعشرين رغيفا كل
يوم ، وقد حفر بئرين في بلاد اداحت وبئرا ثالثه في بلاد اياحتب وهو يواصل حديثة قائلا : " وصلت البحر (
الاحمر ) وصنعت هذه السفينة وجهزتها بكل شئ وزودتها بعدد وافر من الماشية والثيران والغزلان وعندما رجعت من البحر قمت
بما امرني به الملك وجلبت له كل المنتجات التي وجدتها في نواحي الارض المقدسة
" وكأن ( حنو) لم يكتف بما قام به اثناء هذه الرحلة اذ مر في طريق عودته على
محاجر الحمامات " وجلب احجارا ثمينة لتماثيل المعبد . ولم يحدث من قبل ان جئ
بشئ مماثل الى بلاط الملك ، كما لم يحدث مطلقا ان قام احد من احفاد الملوك بما
يماثل ذلك منذ زمن الاله ولكنني عملت هذا من اجل جلالة سيدي لانه يحبني كثيرا ....
ولانه منحني المكان الاول في دارة اامام باقي عظماء هذه البلاد ... واني خادمة
المحبوب ، الذي يفعل كل يوم ما يحوز ثناءه " .
واذا كان يبدو ان حنو نفسه لم يذهب الى بنت - والا لذكر ذلك صراحة – الا ان كتابته تتضمن
ان الاتصال البحري بين مصر وبلاد البخور البعيدة
كان امرا معروفا عاديا وفي الواقع اننا لا نعرف فقط ان رأيس
بيت المال خنى خت ور "
عاد بجنوده موفقا من بنت الى ساو
" حيث رسى بجنده في عهد الدولة القديمة . فقد تلقى الملك ساحورع منها "
80000 مكيال ( ؟ ) من العطايا "
وكمية من الالكترون والاخشاب الثمينة والمعادن
، وفي عهد الملك اسوسى احضر احد رؤاء بيت المال قزما من بنت ، وبعث بيبي الثاني بأمر اليفانتين الى شاطئ
البحر الاحمر ليعود بحثه موظف عظيم كان يقوم " ببناء سفينة الى بنت " غير ان البدو السامين
قتلوه وجنوده وما حدث في الاسرتين الخامسة والسادسة ينطبق ايضا بطبيعة الحال على
الاسرة الرابعه ولذلك فلي من الغريب ان نجد لاحد ابناء خوفو خادما من اهالى بلاد
البخور وهو " النحسي هرتيزي " ومع ذلك قد يسترعي النظر الاول وهلة ان المصرين حتى في الدولة المتوسطة كانو
يعتبرون بلاد بنت كأنها بلاد عجيبة خيالية ، وهي البلاد التي ظل ملوك مصر على
علاقات تجارية معها منذ عدة قرون – على ان تفسير ذلك واضح بين . فمن الغسير على
الانسان البسيط ان يتصور ان النباتات العطرية الغربية النادرة التي تجلب اليه من بعيد هي ثمار نباتات
عادية لا يقتضي زرعها وحصادها جهدا اكثر مما تقتضية ثمار الوطنية ، او ان يتصور ان
الاحجار الثمينة التي تبدو له ذات قيمة ، كثير وعادية في بلد اخر . ولذلك
تبدو له ذات قيمة ، كثيرة وعادية في بلد
اخر . ولذلك فمن الطبيعي ان تصور مخيلته ان تلك البلدان تقطنها مخلوقات من نوع خرافي تحرس تلك الذخائر ، وقد
تكون ايضا قصص المصرين الذين عادو من بنت بما فيها من مبالغة وتهويل قد غذت
بأستمرار خيال الشعب الذي لم يغادر وطنه .
ومما يتيح استجلاء
التصورات التى تخيلها الشعب المصري عن بلاد البخور النص الحدير بالملاحظة لقصة
" الملاح الغريق " التي حفظت لنا على احدى برديات الدولة المحفوظة الان
في بطر سبرج ففيها يقص احد الحراس القصة التالية حدثت له ، لسيد شريف عاد من رحلة
بحرية طويلة من الجنوب كان ان يتقدم بتقرير عنها الى الملك ، وذلك لكي يشجعه على
المقابلة الملكية ، على مايظهر : لقد
سافرت الى مناجم الملك فركيت البحر في سفينة طولها 1210 زراعا وعرضها 40 زراعا
وفيها 120 من احسن ملاحي مصر . وقد شهدو السماء الارض وكانت قلوبهم احكم ( ؟) من
قلوب الاسود . وكانو يتنبأون بالعاصمة قبل
ان تكون وبالزوبعه قبل هبوبها ، على ان العاصمة عصفت وكنا ( لا تزال ) في البحر
قبل ان ترسو على الارض وقد ارتفع الريح ...... وكانت معه موجة ( ارتفاعها 8 اذرع ) فقبضت على قطعة من
الخشب ، ومات كل من كان السفينة سواى ،
ولم يبق منهم احد . فألقتي موجة من البحر على جزيرة وقضيت ثلاثة ايام وحدي
لازميل لى غير قلبي ..... وقد قمت ابحث عن طعام فوجدت فيها تينا وعنبا وسائر النباتات والثمار العظيمة
والاسماك والطيور . ولم يكن هناك شئ لم يكن موجودا فيها فأكلت حتى شبعت وتركت ما
كنت قد افرطت في اخذه لنفسي . ثم اخذت زيادا واشتعلت نارا واحرقت قربانا للالهة .
عندئذ سمعت صوت
رعد فظنت انها موجة البحر ، ولكن الاشجار
تحطمت وزلزلت الارض ، ولما كشفت عن وجهى
وجدت انها حية تقترب وكان طولها 30 ذراعا وكانت لحيتها اطول من زراعين وكان جسمها
مموها بالذهب وحواجبها من اللازورد الحقيقي .... وكانت تتلوى زاحفة الى الامام ،
ثم فتحت لى فمها وانا راقد امامها على بطني وقالت لى : من اتى بك هنا ؟ من اتي بك
هنا ايها الصغير ؟ ان لم تقل لى في الحال عمن اتى بك الى هذه الجزيرة فسأجعلك تفيق
ثم تحرق الى رماد وتستحيل الى شئ لا يرى .
ثم اخذتني في فمها
وجذبتني الى حجرها حيث وضعتني بغير ان تمسني ،؟ وقد بقيت سلميا دون ان ينقص مني شئ
ثم فتحت لى فمها فانبطحت على الارض ، وقالت من اتى بك الى هنا ؟ من اتى بك الى هنا
ايها الصغير ؟ من اتى بك الى جزية البحر هذ التي يقع شاطئاها في الماء فأجبتها
وزراعاي منثنيان امامها : لقد سافرت الى المناجم بأمر الملك في سفينة طولها 120
زراعا وعرضها 40 زراعا وكان فيها 120 من امهر ملاحي مصر . لقد شهدوا السماء وشهدوا
الارض قلوبهم احكم ؟ من قلوب الاسود وكانو يتنبأون بالعاصفة قبل ان تكون وبالزوبعه
قبل هبوبها وكان كل منهم يفوق الاخر ذكاء ( ؟) قلب وقوة ذراع ولم يكن بينهم جاهل (
ولكن ) العاصفة عصفت وكنا ( لا تزال ) في البحر قبل ان نرسو على الارض وارتفع
الريح .... وكانت معه موجة ( ارتفاعها ) 8 اذرع ( فقبضت ) على قطعه من الخشب ومات
كل من كان في السفينة من غيري ولم يبق منهم احد سواى ، انا الذي اقف امامك وقد
جاءت في موجة الى هذه الجزيرة .
فقالت لى : لاتخشي
شيئا ايها الصير ، لا تخشى شيئا لانهم ( ؟ ) بعد ان اتيت الى ها قد منحك الاله
الحياة ، لقد جاء بك الى الجزيرة الارواح هذه ، التى يوجد فيها كل شئ يمكن تخيلة ،
والملأي بكل شئ طيب ها ستبقى هنا شهرا اخر حتى تقضي اربعة شهور في هذه الجزيرة وستأتي سفينة من العاصمة وفيها ماحون يعرفونك
وستعود معهم الى العاصمة وستموت في مدينتك . لشد مايبهج المرء الذي يقص ما قاساه
بعد ان يكون البؤس قد انقضي ؟ ( لذلك ) سأقص عليك شيئا مماثلا حدث في هذه الجزيرة
. فقد كنت اعيش فيها مع اخواني وكان بينهم (ايضا ) اولادي وكنا جميعا 75 حية باولادي واخواني – عدا ابنة امرأة شابة ، جاء بها
القدر ( ؟ ) الى . عند ذلك هوى
نجمفاستحال به هؤلاء ( اي اقارب الحية )
الى لهب . وقد حدث اني لم اكن بجانبهم . فاحترقوا ولكنيى لم اكن بينهم . وقد كدت
اموت من الحزن عليهم عندما وجدتهم كوما واحدا
من الجثث – ولكن اذا بقيت صابرا
فانك ستعانق اولادك وتقبل زوجتك وترى دارك مرة ثانية – هذا افضل من كل شئ . انك وسترجع الى العاصمة وستعيش فيها وسط اخوتك . عند ذلك
انطرحت على بطني ومسست الارض امامها وقلت لها : سأقضي للملك نبأ قوتك وسأنبئه
بعظمتك وسأجعل الناس يجلبون لك زيت ( اب وحكن واودنب وخاست ) وبخور المعبد الذي
يسر جميع الالهه وسأقص ما حدث لى وسيقدم لك الشكر امام البلاد بأكملها . وسأذبح لك
الماشية قربانا واذبح لك الاوز واجعل السفن تجاب اليك سائر ذخائر مصر كما يصنع
الانسان للاله الذي يحب الناس وهو في بلد لا يعرفه احد .
عند ذلك ضحكت على
لما قلته وقالت لى في قلبها بسخرية ( ؟ ) : ليس عندك مر حتى ولو اصبحت فوجدتها
تعرف ذلك وقد قالت لى : لترجع سالما لترجع
سالما الى دارك ايها الصغيرلتري اولادك من جديد
واجعل لى اسما حسنا في بلدتك ، هذا
ما اطلبه لى منك .
عند ذلك
انبطحت على بطني امامها ، وذراعاي مثنيان
. فأعطتني حمل سفينة من المروحكن heken واورنب ewdeneb وخاست chasit ومن خشب تشبسي teschepes وشعاس schaas ومن اصباغ الوجة
وذيول الزرافى ( ؟ ) وكرات ى ( ؟ ) كبيرة من البخور ومن انياب الفيلة وكلاب الصيد
وقردة ذات ذيول طويلى – كيو وسائر الاشياء الثمينة فحملنها على هذه السفينة وعندما انبطحت ارضا
شكرا لها قالت لى : ها ستصل العاصمة بعد شهرين وستعانق اولادك شابا وستدفن ( هنا )
.

وهبط الى الشاطئ
حيث كانت هذه السفينة وصحت عل الجنود الذين كانو في هذه السفينة وشكرت على الشاطئ
سيد هذه الجزيرة وكذلك اولئك الذين كانو فيها ( السفينة ) . وقد ابحرنا شمالا الى مقر الملك ووصلنا في شهرين
تماما كما ذكرت الحية ثم دخلت على الملك وجئت له بالعطايا التي احضرتها من هذه
الجزيرة . وقد شكرني على ملأ من موطني البلاد كلها بأكملها .
على هذا النحو
كانت منطقة البخور تبدو لمصرين في الدولة المتوسطة بلاد خالية – على انه بعد قرون
قليلة اختفت هذه الهالة ولم تعد بلاد بنت
في نظر الشعب المصري جزيرة تقطها الحيات وذلك لان الملكة حاتشبسوت امرت بتصوير
سكان وقراها ونباتاهتها في معبد الجنازي العظيم .
وترجع هذه الصورة
في معبد الدير البحري الى ذلك العهد العجيب بدأت مصر تشعر فيه ، بعد تحررها من
ربقة السيادة الاجنبية التي كان قد طال امدها ، بأنها قوة في العالم وكان الامر
كأنما سقط ذلك النقاب الذي كان يحجب عنها
العالم حتى ذلك الوقت . فحمل الملوك اسلحتهم غازرين حتى نهر الفرات وحتى النيل
الازرق ، واصبحت مصر مركزا لاسيا الغربية
وشرق افريقيا - وعند ذلك تذكر المصريون بلاد العجائب القديمة على البحر الاحمر فأرسلت
الملكة العظيمة حاتشبسوت بعثة اليها ، او
على نحو ما جاء في الاسلوب المصري الرسمي : لقد اوحى
( سيد الالهه امون في طيبة ) اليها بهذه الفكرة ( لانه يحب هذا الحاكم
كثيرا ، واكثر من الملوك الاخرين الذين كانو في هذه البلاد ) .
وتلقينا هذه الصور
في الحال الى شاطئ ارض العجائب نفسها (
شكل 255 ) فقد وصل الاسطول المرسل توا الى هدفه وهو مؤلف من خمس سفن بحرية ، لكل
منها 30 مجدفا وشراع ضخم ، وقد انزل شراعا
سفينتين وشدت كل منها الى جذع شجرة على الساحل وهناك على وشك الاتجاة
الى الشاطئ قارب صغير محمل بالسلع المراد استبدالها اما السفن الاخرى التي لاتزال
على كامل اهبها فعلى استعداد لتلقي الامر بجذب القلاع وما تلبت حتى تكون ايضا في
الميناء ويتجة قائد الاسطول ( الرسول
الملكي ) يصحبة ضابط وثمانية جنود الى الارض المقدسة .
وكل شئ يبدو غريبا
تماما في هذه البلاد ، بنباتاتها الاستوائيى الوافرة وسكانها العجيبين ، ةبالقرب
من الشاطئ وفي ظلال اشجار الدوم والاشجار
الاخرى الكبيرة تقع قوى الاهالى وهي اكواخ ضغيرى على شكل المخروط اقيمت على
اعمدة مغروزة في الارض حماية لها من الاعداء والحيوانات المتوحشة ، ولها سلم يؤدي
الى فتحة بمثابة مدخل وبين الاكواخ ترقد ابقار ذات قرون صغيرة قصيرة او الحمير
التي كان يستخدمها سكان بنت للنقل او للركوب
، ولا تدل ملابس الاهالى ايضا على حضارة راقية فقد كانو لا يزالون في عهد
حاتشبسوت يرتدون نفس النقبة ويضفرون
شعورهم بشكل الضفائر نفسها وبذلك يكون قد انقضى اكثر من الف سنه دون ان يتعثر شئ
جوهرى من مظهر اهالى بنت – وفي ما يدل على فقدان القدرة على التطور مما لا يحدث
الا للشعوب البدائية .
ويتتجه ( باروحو )
عظيم بنت وكذلك زوجتة واولاده ، يتبعهم الخدم الى المصرين يحبونهم بأذرعهم
المرفوعه – او على نحو ما عبر عن ذلك المصريون : ( يقولون وهم يطلبون الامان ) :-

لماذا جئتم الى
هذه البلاد التي لا يعرفها الناس ؟ هل مشيتم
على طريق السماء او جئتم على طريق الماء ؟
وانه ليبدو ان ذلك
الحيل لم يعد يذكر زيارات المصرين السابقة
. هذا ويختلف عن اشكال العظيم وولدية النحيفة شكل زوجتة اختلافا ملحوظا فهي
تجسم بدرجة هائلة ( انظر شكل 256 ) ما
يشير اليه جسم ابنها ، التي تتبعها من هدف في المستقبل لا يزال هو المثل
الاعلى المبدانه المتسوية في اواسط افريقيا في الوقت الحاضر فشكل ساقيها وزراعيها
وثديها وعجيزتها
يثير اشمئزازنا وثوبها وحليها ، وهما قميص قصير شفاف من غير اكمام وقلادة سميكة .

لا يساعدانها على
ان يبدو شكلها اكثر قبولا . وامرأة العظيم هذه سمينو حتى انها لا تستطيع المشي على
قدميها ولم يئس الفنان الذي خلدها ، يثغف
واضح على جدار معبد الدير البحري ، ان يمثل
خلف زوجها حمارا عليه برزعه ( وكاف ) ذكر عنه انه ( الحمار الذي يحمل زوجتة
) .
وقد حصل المصريون
من هؤلاء البرابره على ( ذخائر بلاد بنت ) واننا لنرى السكان يكرمون امام المصريون ( الرسول الملكي ) البخور ، وكذلك الذهب في شكل حلقات والانياب
الضخمة للفيلة في حين اقام المصريون على ساحل منضدة جعلو عليها السلع التي يشتاق
اليها قلب كل فرد من اهالى بنت ، وهي الخناجر وفؤوس القتال والقلائد البهيجة
الالوان ، واننا لنرى ايضا احضار القردة
والفهود بينهما بينما يعمل الملاحون
المصريون على قطع اشجار الابنوس التي كان
الصناع المصريون يقدرون جذوعها الثمينة
تقديرا خاصا . اما اشجار البخور فتنزع بجذورها وتربط وتحزم بعناية ويحملها اهالى
بنت والمصرين معا الى السفن ، وعندما
تنتهي المبادلة على ما يرضي
الطرفين يستقبل المصريون " عظماء هذه البلاد " في خيمة " الرسول
الملكي ويقدم لهم الخبز والنبيذ واللحم
والفاكهة وسائر اشاء مصر الطيبة وذلك حسب ما امر به البلاط " .
من هذا يبدو ان
الامر يتعلق بالمقايضة التجارية على احسن شكل وعلى نحو الان بين الزنوج والاوربين
غير ان التقرير الرسمي المصري لا يعترف بذلك بطبيعة الحال ، اذ كيف
" يشتري " فرعون مصر شيأ من الشعوب المتبربرة . وهو الذي تقدم اليه جميع البلاد هداياها "
حتى يتفضل فيمنحهم نسيم الحياة " ؟ ولذلك يسمى البخور الذي حصل عليه المصرين
عن طريق التجارة في الاسلوب المصري الرسمي ، " جزية امير بنت " كما
تعتبر السلع التي دفعت من اجله كقربان مقدم للالهة " حاتحور سيدة بنت " ولذكري امون " حاكم بنت
" ، الذي ابحرت بأمرة سفنها الى هذه البلاد البعيده .
وتشتد حركة النقل
علي الالواح المؤدية الي السفن "وتحمل السفن الي ارتفاع كبير بذخائر بلاد بنت
وسائر النباتات الجميلة في الارض المقدسة واكوام من صمغ المر واشجار المرالخضراء
وخشب الابنوس والعاج النقي والذهب الاحمر من بلاد عامو والاخشاب ذات الرائحة
الحلوة وانواع البخور واصباغ العيون والقردة الكبير والقردة ذات الزيول الطويل
وكلاب الصيد وجلود الفهود والعبيد وابنائهم _ ولم يسبق ان جيء بشيء مماثل الي اي
ملك منذالقدم " ويشرف احد الموظفين علي ترتيب هذه السلع المختلفة في السفن
بعناية كبيرة حيث تكاد تبلغ عمود الشارع المستعرض السفلى ، اما القردة فقد سمح لها
ان تغدو وتروح حرة الا انه كان يحلو لها ان تتسلق الحبل القوي الذي يمتد من فوق
السفينة ، وتتطلع منه الى ما يحيط بها مما كان يسري بالتأكيد عن البحارة – فاذا
عاد جنود سيد القطرين بسلام الى وطنهم والقوا مراسيهم في طيبة فان وصولهم يتخذ شكل
موكب نصر فيدخلون المدينة في موكب بهيج وفي البلد ، ويقدمون هدايا الى الملكة وهي هدايا " لم
يجلب مثلها لاي ملك اخر " ومن بينها
" فهدان حيان

ليتبعا جلالتها ومما اثار دهشة عظيمة 31 شجرة بخور خضراء ، احضرت بين ذخائر الجلالة
الاله امون رع ، لم ير مثلها اهجابا وتنافسا عظيمين ، وذلك لان تحوتمس الثالث تلقى
ايضا من اهالى بنت شجرة بخور خضراء ، وبعد ثلاثة قرون عندما ارسل رمسيس الثالث
سفينة الكبيرة تجوب البحر العظيم ذا الماء
المعكو اي جنوبي بلاد العرب كانت هذه الاشجار تعتبر ايضا كجزء هام جدا من الغنيمة
الى جلبها البعثة من الارض المقدسة من بنت .
على انه لم يكن
للتجارة بين مصر وبلاد البخور تأثير مستمر
على كل منهما ، وان كانت ترجع اليها بضعة اسماء اجنبية الانواع البخور وجدت
سبيلها الى اللغة المصرية وربما دخل مص مع هذه التجارة ايضا الشكر الهزلى للاله بس
الذي يشبه القزم والذي اصبح منذ الدولة
الحديثة يعبد كاله حارس على اية حال فقد اثر تالك البلاد على مصر لا اهمية له ازاء
تأثرت به من قبل فلسطين وسوريا .
وتمتد اثار
التجارة مع البلاد الشمالية المجاورة الي اوائل التاريخ المصري في اقدم القرابين
في الدولة القديمة نجد الي جانب "زيت الارز " ومنشؤه ،علي ما هو واضح ،
منطقة امانوس amanusاو لبنان ، فقد
وصلت الينا من المعبد الحنازي الملك ساحورع ، علي نحو ماذكرنا من قبل ،صورة اسطول
مصري عائد من المياة السورية ، احضر معه جرارا فخارية طويلة ، مملوءةبالزيوت
الثمينة ، واهم من هذا رجالا ونساء اسيوين يدخلون مصر كرقيق . الي جانب هذا نلاحظ
ذلك الاهتمام بعجائب البلاد الاجنبية الذي يميز المصريين علي الدوام ، اذ نري علي
قطعة من هذه الصور المقوشة بضع دببة مشكولة ، كانت تدخل السرور علي الملك ورجال
حاشيتة باشكالها وحركاتها الغريبة وهي في اقفاصها المركبة من عوارض خشبية متباعدة
، وكانت توابيت الاشراف تصنع من خشب الارز، وبزيت الارز كانت "تحنت الموميات
حتي كريت " وذلك كما يحدثا نص يرجع ، على ما يظهر الى الدولة المتوسطة ، وقد
عرفت في وادي النيل في وقت مبكر الهه مدية ببلوس ( جبيل ) التي كانت تجلب السفن
منها هذه السلع الثمينة ، وغدت تعادل الالهه الوطنية حااتحور وقد وصل سنوهي ، الهارب المصري ، حتى ببلوي كذلك وهو
الذي تصور لنا قصته سالفة الذكر ( صفحة 410 وما بعدها )

حياة البدو بوضوح كاف واننا لنعلم منها انه في
الارة الثامنة عشر كان كثيرا مايفيد على سوريا وفلسطين رسل مصريون ، وانت بعض
المصرين كانوا يقيمون بأستمرار مع امراء تلك البلاد بسبب التجارة على وجة التحقيق
. ومنها يتضح ان هدايا ملك مصر الى امراء سوريا المخلصين كانت امرا معروفا بصفة
عامة واننا لنعلم ايضا ان " صنع الاسلحة " كانو في ذلك العهد يرحلون بمنتجاتهم الى البلاد الاجنبيةه ما نجد
من لوحات الدولة المتوسطة فنيات اسيويات بمثابة اماء محظيات عند اسيادهن المصرين .
ويتجلى شكل
الاسيوين الامين اذ ذلك في الصورة المشهورة لمجئ 37 اسيويا التي تركها احد امراء
مقاطعة بني حسن في عهد سنوسرت الثالث ابيشا ، والرجال والنساء ذوو شعر اسود يرتدون ملابس موشاء ويتي الرجال اقدمهم بنعال زمت بخيوط ويحملون القسى مع السهام
والجعاب والرماح ، وفؤوس الحرب وعصى الرماية ويضرب احدهم على الة موسيقيه ذات
ثمانية اوتار ( انظر شكل 126 ) وتتحلى
النساء بالخلاخيل وبالشرائط في الشعر وقد جلبت هذه القافلة كحلا وبضعة وعول كهدايا
.
على انه لم يكشف
الثام حقيقة عن البلاد الشمالية الا في عهد الدولة الحديثة وذلك عن طريق حملات
الغزو التي قام بها ملوك الاسرة الثامنة عشرة
العظام . وتتيح لنا اثار وكتابات
ذلك العهد ، الذي اصبحت فيه فلسطين وسوريا جزا من مصر لبضعة قرون ، ان نكون صورة
عن اسيا قيميتها التاريخية لا يقدربالرغم من نقص تفاصيلها وعدم وضوحها .
وكانت بلاد خر Cher او رثن Rezen اي الولاية المصرية في سوريا ، التي كانت منذ
غزوات تحتمس الثالث تمتد من حصن زل المصري على الحدود ، حتى اعالى الفرات ، تنقسم
الى اسام كثيرة واضحة لكل منها اسم خاص منذ اقدم الازمنة . وكان اقصى اجزائها الجنوبية ، وهو " رثن العليا
" وكان يسمى ايضا " زاهي Zahi ) يقابل فلسطين الحالية تقريبا
وكان ينقسم الى مقاطعتين تسمى المقاطعة الجنوبية كنعان ، والمقاطعة الشمالية عمور Emor اي بلاد العمورين
، وكان يقصد من " رثن السفل " سهل سوريا المنخفض . وكان ينطلق على سكان السهل الساحلي " فنخ " اي الفينيقين
.
بينما كانت
المناطق المذكورة تنقسم الى ولايات صغيرة
تتألف كل ولاية من مدينة وما يتبعها ، ليس لها اهمية سياسية بالنسبة الى
مصر ، وجد في شمال سوريا حكومات قوية كانت

خصوصا ما لهم في
بعض الازمنة على الاقل ، ومن ذلك بصفة خاصة شعب الجيش الذي اسانمنا الكلام عنه (
صفحة 35 ) ثم بلاد كدى وغيرها – وفي الشمال الشرقي حيث التقى المصريون بمنطقة
الحضارة الاشورية كانت بلاد النهرين في الفرات التي فيها ملوك من اصل اراي مملكة
ميتاني في الازمنة المظلمة بين الدولة
المتوسطة والحديثة تكون الحد الاقصى لمصر وقد صاهر حكامهم البيت الملكي في مصر منذ
تحتمس الرابع كما ذكرنا من قبل – وقد تبادل ايضا ملوك بابل واشور الهدايا والرسائل
الطويلة مع الفراعنة وكانت الرسائل تروح وتغدو من بلد الى اخر – على الاقل في عهد
امنوفيس الثالث والرابع – ومع ذلك يبدو ان هذا التبادل كان قاصرا على المحلات
الدبلوماسية وقد ظل سكان هذه الممالك البعيدة غرباء على المصرين اذ ليس بين ماحفظ
من الاثار صورة واحده تمثل سكان بابل او اشو راو ميتاني ومن الغريب ان المصرين لم
يسموا حتى الفرات باسمة المحلى ( الوطنى ) فقد سموه " ماء نهرين " او
نعتوه حسب اتجاة مجراة الذي كان يبدو طبيعي لسكان وادي النيل فذكروه بأنه ذلك
الماء المعكوس الذي يبحر فيه الانسان الى الشمال عندما يبحر فيه مصعدا وتعد اسماء
الاماكن التي وصلت الينا عن هذا الجزء من
العالم بالمئات ، وبخاصة عن جزئه الجنوب ومازلنا نجهل معظمها غير اننا نتعرف في
كثير منها على اسماء المدن الشهيرة في سوريا ومنها دمشق وبيروت وبيلوس وصور ، وهي
المدينة البحرية التي يجلب اليها الماء في السفن ، وذلك ايضا غزه ويافا المجاورتان لمصر ، واللتان جاء ذكرهما كثيرا
بصفة خاصة بطبيعة الحال .
وفي الفصل التالي
سننظر في مصر السياسية والحربية مع سوريا وفلسطين ، اما هنا فاتنا نكتفي بالاشارة
الى ما كان لذلك من اثار على التجارة فقد ازدهرت التجارة وقويت ونشطت حركة
الموصلات على الحدود القديمة لمصر الى درجة ساعدت بشكل واضح على نمو العمران – مما
جعل لها مركزا ممتازا فوق شرق الدلتا في
المقدمة اذ ذاك يعد ان كان حتى ذلك الوقت متخلفا عن معظم اجزاء بلاد مصر ، كما هو
الحال في الوقت الحاضر ، فنشأت فيه مدن جديدة وانتقلت اليه في بعض الاوقات العاصمة
نفسها وهي التي كانت في طيبة .
وكانت
المنتجات السورية التي ترد الى مصر في
الدولة الحديثة لا تكاد تحصى . فمن يعتمد حقا على صور المقابر المصرية فقط للحكم
على هذه الواردات لن يستطيع ان يكون صورة صحيحة عنها ، لانه لابد ان يعتقد ان مصر
لم تكن تجد ما يضطرها الى الحصول على غير ما تمثلة الصور على الدوام من اوان فاخرة
من الذهب والفضه وخشب الارز والاحجار الثمينة والخيل وبعض العجائب كالدببة والفيلة – على اننا لحسن الحظ نعرف حقيقة الحال
من الاثار الادبية للاسرة التاسعه عشر والاسرة العشرين ، وعنها نرى انه لا تكاد
هناك سلعه لم يستوردها المصريون في ذلك الوقت من سوريا .
وتتضح اهمية ذلك
عندما يلاحظ ان مصر نفسها كانت لها ذاك صناعة متقدمة واذا كانت حضارة المدن
السورية قد استطاعت بالرغم من ذلك ان تحوز مثل ذلك النصر فلابد انها بلغت هي ايضا
مستوى عاليا . وقد كان يرد من سوريا مثلا : السفن والمركبات واجزاؤها والاسلحة (السيوف والرماح والجعاب ) والعصي والالات
الموسيقية ( الكنارة وانواع مختلفة من المزامير ) والاواني والاوعية من انواع
مختلفة – وبصفة خاصة جرار الزيت والجعة والنبيذ – واصناف مختلفة من الخبز والبخور
والسمك والخيل والماشية والثيران واشياء اخرى كثيرة . اما تقليدها فأقاموا الحصون
على نحو ما خبروها في سوريا وزودوا جدران المعابد بالشرفات كما كان الامر هناك
وقامو بأشياء كثيرة من هذا القبيل وقد
دخلت مع منتجات سوريا والبلاد الشمالية المتاحة لها اسماؤها والى جانبها عدد كبير جدا من الالفاظ الاخرى
السمية دون ان تكون هناك ضرورة الى اتخاذها وذلك كما يحدث دائما عندما تتصل حضارة
بأخرى اتصالا قويا فاذا اطلق على الكتاب " سبر " ( قارن اللفظ العبري سفر ) وعلى بركة الماء
" بركت " ( قارن اللفظ العربي بركة ) وعلى
البحر " يم " ( بالعبريى يم ) وعلى النهر " نخل " (
بالعبرية نخل وبالبابلية ناخلو ) واذا كانت " شلم " تعني يرجو
السلام ( قارن اللفظ العبري شلم بمعني
سلام ) و "شويب " تعني يرجع ( بالعبرية شيب ) واذا سمى الباب " شعر
" ( بالعبرية شعر ) واليد " كب " ( بالعبرية كف ) فان في هذا ما
يدل على ان اللغه المصرية في ذلك العهد . على انه لا يجب ان يفوتنا انه في هذه
الحالة القديمة كانت الطبقات المتعلمة هي التي كانت السامية فهي لا تكاد تظهر في القصص الشعبية كما انها
تتمثل ضعيفة في القبطية ايضا وهي التي تطورت من لغة الطبقات الدنيا .
ولا يقل عن ذلك
وضوحا خضوع الدولة الحديثة لولاية سوريا في المجال الديني ، فقد عمد المصريون الى
الاستعارة في هذا المجال وقبلو بين الالهة المصرية والهة الحرب السورية مثل بعل
ورشف وعشتارتي وعنات .
على انه كان من
الصعب ان يسير اصطباغ الحكومة بالمصرية السامية قدما لو انه لم تحدث هجرتة قوية من
اجانب الاقطار الشمالية منذ الاسرة الثانية عشر ، وقد تم ذلك بصفه خاصة عن طريق
استيراد الرقيق الذين جاء بعضهم الى مصر كأسرى حرب والبعض الاخر عن طريق التجارة
على وجه التأكيد وكثيرا ما يرد في الدولة الحديثة ذكر الرقيق من خر . ومن كنعان ومن كاركا ومن غيرهها من البلدان ،
وقد وصل كثير منهم الى مناصب رفيعه كما
رأينا من قبل صفحة ( 102 وما بعدها )
وكانو بطبيعة الحال يعتمدون عن رغبة ورضى الى اتخاذ الطابع المصري حتى انه
لم يكن ليبقى في الجيل الثاني شئ من الطابع الاجنبي . فمن يمكن ان يتصور مثلا ان
مى رع ( حبيب رع ) حامل سلاح تخوتمس الثالث ، واخاه الكاهن اوسر – مين ( مين قوى )
كانا ابني رجل اسيوي باعمري ( العموري )
من زوجته كرن ؟ وربما نشأ السوريان في بلاط الملك وذلك لانه مرى _ رع يحدثنا
بأنه " منذ ولادتة كان مكرما "
.
على انه يلاحظ من
جهة اخرى انه بالرغم من كل شئ كان الشعب المصري يشعر بأنه افضل من جيرانه
المنمدنين في الشمال وذلك لان الفن ، كما كان الامر من قبل ، كان يميل الى تصوير الاسيوين على شكل
مضحك تقريبا – فقد صور الفنانون السورين يسعون بالجزية او كأسري في اشكال ثقيلة
قصيرة ببطون كرشاء وانوف معقوفة ولحى مدببة ، وفي هذا ما ينم عن سخرية قليلة وكانت
ملابسهم تمثل ايضا بحيث تتباين قويا مع ملابس المصرين البيضاء الفضفاشة فقد كانت
الاردية الارجوانية الكثيرة الوشي
والمخططة بخطوط متتابعه زرقاء وحمراء ، وكذلك الملابس الداخلية الصفراء ذات
الاكمام الضيقة والسراويل الضيقة ايضا تثير نقد الشعب المصري الذي كان يدهشه مرأى
ما يمر علية من مواكب الاسرى الطويلة ، التى سباها ماوكه .
واذا كانت الحضارة
المصرية القديمة تأثرت كثيرا بحضارة سوريا فأن العكس كان صحيحا بطبيعة الحال ايضا
بل والى درجة اكب . على انه لا سبيل الى الحكم الدقيق الا بعد ان يتم بحث اظلال
سوريا بحثا منظما وهو مالم يبدأ بعد .
وانه لمن المتوقع
ان يكشف عن اثار ذلك في فلسطين نفسها بصفة خاصة ، وهو التي ظلت فيها السيادة
المصرية امدا طويلا دون معارضة والتي قامت فيها المدن المصرية وبها المعابد
المصرية . واذا كانت لغة هذه البلاد قد استعملت الالفاظ " تبح "
للصندوق و " شوشن " لزنيق و
"هين " لمكيال معين و "ابيون " لمسكين وكثيرا غيرها من
الالفاظ المصرية فان هذه الالفاظ المستعارة مايشير على الاقل الى ذلك الاثر
القوي الذي تلقته البلاد المتاخمة لمصر من
وادي النيل .
ولابد ايضا ان
كانت علاقات مصر بجزر البحر الابيض المتوسط وسكانها ، وهم "الحاونبو "
او " الكفتيو " قائمة منذ زمن قديم جدا لاحظنا حقا ان جزيرة قبرص
القريبة نسبيا من مصر قد ذكرت وحدها
بأسم خاص في اللغه المصرية الى Eles ،
وبالبابلية الاشيا Alasia ) وانه فيما عدا ذلك كان الكلام عن " جزر
البحر " او مايماثل هذه بصفة عامة ،
انه ليست هناك كتابة مصرية تحدثنا عن رحلة ما الى هذه الجزيرة ، فقد يذهب الظن الى ان الاتصال بمجال الحضارة المصرية لم يكن قويا _ ومع ذلك فقد كان
الامر على نقيض ذلك على وجه التحقيق ودليلنا الرئيسي على ذلك الحفائر التى اجريت
في اراضي مصر وفي كريت وميسيني ايضا . فقد وجدت اوان من الفخار ليس من شك في انها
من اواني البحر الابيض المتوسط في مقابر واطلال مدن الدولة الحديثة والمتوشطة ،
كما كشف عن اثار الحضارة المصرية من عهد الدولة القديمة حتى العهد المتأخر في كريت
وقبرص وفي كثيرا Kyhera ورودس وفى ميسني وكثير من الاماكن الاخرى في
منطقة البحر الابيض المتوسط .
وعلاوة على هذا
تزودنا المصرية ايضا ببعض المعلومات عن هذا الاتصال . حقا ان مثل العبارات التى
يذكرها " حنو " صاحب بيت المال في الاسرة الحادية عشرة من انه
" اضعف الحاونبو " او التي يذكرها احد
موظفي الاسرة الحادية عشر من انه " قلمه اخضع الحاونبو " عبارات
تشير بصفة عامة الى الصلة بشعوب البحر الابيض المتوسط ، غير ان الصور على جدران مقابر الاسرة الثامنة
عشر تكتشف لنا عما هو اكثر من ذلك فهناك صور الكفتيو التي تمثلهم وهم يجلبون
الهدايا في مقبرة سنموت ، الوزير ذو السلطان للملكة حاتشبسوت – ومقبرة رخماع ، وزير تحوتمس الثالث ، ومقابر كثيرة من
اشراف الاسرة الثامنة عشرة وهي تصور سكان الجزر ومنتجات صناعاتهم في صور واضحة جدا
واننا لنرى هؤلاء الاجانب في معظم الاحيان حليق الذقون قد قسم شعورهم الاسود في
جدائل لفت لفا حلزونيا ، تنسدل على اكتافهم وتغطي افخاذهم ننقبة موشاه
بالابيض والازرق والاحمر ، وفي اقدامهم احذية بيضاء شدت حول العقب – وسائر
مايجلبونه من الاواني ، ذات المقابض من الفضة والذهب المحلاة برسوم حلزونية ووريدات ورؤوس ثيران ، ومن المصنوعات
المعدنية على شكل الحيوانات ورؤوس الحيوانات ، ومن الاواني اطويلة المببة ذات
المقبضين ، كل هذا وجد له مايمثلة في الصور المحلية في كريت وميسيني ، وكما ان مصنوعات بحر ايجه
وجدت سبيلها الى مصر فقد شقت منتجات
الصناع المصرين طيقها ايضا الى منطقة الجزر بطبيعة الحال – وليس من عجب ان تتعلم
الحضارات كل من الاخرى ان تؤثر كل منهما
في الاخرى في المجال الصناعي بالذات .
والى جانب سائر
هذه المنتجات هناك شئ اخر هام : فقد وجد بين الرسائل الدبلوماسية من محفوظات قصر
العمارنة سبع رسائل من ملك قبرص الى امنوفيس الرابع ، تكشف عن صلات الصداقة
والتحالف بينهما . وقد اهدى ملك "الاشيا " ملك مصر اناء مملوءا من زيت
الطيب الثمين وذلك بمناسبة اعتلائه العرش وارسل اليه عدة مرات " 100 وزنة (
تالنت ) من النحاس " كهدية – وفي مقابل ذلك طلب من مصر سريرا مذهبا ومركبة
مذهبة و "فضة الالهة " واقمشة الكتان
، واوان من الحجر مملوءة " زيتا طيبا " واشياء اخرى شتى كبديل عن
عداياه . وقد اعتذر مرة عن انه لم يستطع ان يرسل نحاسا كثيرا وذلك لان وباء انتشر
بين شعبه ورجا مرة اخرى بأن يرسل مع السول متاع
( مقتنيات ) احد رغيته الذي مات في مصر بينما كان " ابنه وزوجته
" يقيمان في قبرص وقد ورد كثيرا ذكر " تجار " من الاشيا وذكر
" السفن " التي تغدو من بلد الى
اخر . وعلى ذلك كان هناك اتصال قوي دائم على ايبدو بين قبرص ومصر . ولكن قلة
مانعرفة عن ذلك يدل من جديد على ضالة ما بقي لنا بمحض الصدفة من اثار حياة دائمة
الحركة متعددة الجوانب والاشكال .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق